alkafeelGlobal alkafeelGlobal

يغيب الجسد وتبقى المرجعية.. وداعًا شيخ الفقهاء، يا نجمَ مدرسةٍ علميةٍ أضاءت دربَ قرنٍ من العطاء

يغيب الجسد وتبقى المرجعية.. وداعًا شيخ الفقهاء، يا نجمَ مدرسةٍ علميةٍ أضاءت دربَ قرنٍ من العطاء
من قلبِ عاصمة الفقه وملاذ السالكين، انطفأت منارةٌ كبرى من منارات المعرفة، وهوى ركنٌ وثيقٌ حول أركان المرجعية الدينية العليا التي حرست هوية النجف الأشرف لقرابة قرنٍ من الزمان.

ففي الرابع من حزيران لعام 2026، وفي أحد مستشفيات العاصمة بغداد، ترجّل المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض عن صهوة جواد العلموالعمل، إثر وعكة صحية، لتنثلم في صرح الإسلام ثلمةٌ لا يسدّها شيء.

غادر الفقيهُ وبقيت الدواةُ والقرطاس، ورحل الشيخُ الذي خطّ بأناملهِ ملامح المنهج والفتوى على مدى عقودٍ من السهر والتفقه، ليخيّم الصمت الحزين على أزقةِ المدينةِ القديمة ومساجدها، تاركًا خلفه حوزةً علميةً يتيمة تبكي غياب محققها الكبير، وملايين القلوب التي أيتمها رحيل الأبوة الروحية والزهد الصادق.

وفي هذا اليوم الأليم، ارتدت الحاضرة العلمية ثوب رثائها الأكبر، وتلفّعت بسواد الفقد وهي تحمل النعش المهيب فوق أكفّ الدموع والقلوب الواجفة.

لم يكن المشهد مجرد غيابٍ لجسد، بل كان أفولًا لنجمٍ أضاء دروب الباحثين عن الحقيقة، ومحطةً استثنائية من التوديع والمواساة توحدت خلفها الأمّة، لتسطر في ذاكرة التأريخ حكاية وفاءٍ مرجعيٍّ خالدٍ سيبقى محفورًا في وجدان الأجيال.



غابَ الفقيهُ وبقيتِ الدَّواة.. بيانُ النَّعْيِ الرسميِّ لِرَحيلِ الشَّيْخِ الفَيّاض

بقلوبٍ يعتصرها الألم، وحزنٍ خيّم على الأوساط الدينية والعلمية، نعت الحوزة العلمية في النجف الأشرف، المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض (قدّس سرّه الشريف)، الذي انتقل إلى جوار ربه في أحد مستشفيات العاصمة بغداد عن عمر ناهز السادسة والتسعين عامًا، بعد مسيرةٍ حافلةٍ بالعطاء العلمي والفقهي وخدمة الدين والمجتمع.

وفي بيانٍ اتشح بعبارات الأسى والفقد، أعلن مكتب المرجع الراحل نبأ وفاته، مستذكرًا سيرته المباركة وما قدّمه للإسلام والمسلمين على مدى عقود طويلة، إذ جاء في البيان: "بمزيدٍ من الأسى والحزن، تلقّينا نبأ وفاة سماحة آية الله العظمى المرجع الديني الكبير الشيخ محمد إسحاق الفياض (قدّس سرّه الشريف)، الذي قضى عمره المبارك في خدمة الدين الحنيف، وتدريس العلوم الإسلامية، وتربية العلماء والفضلاء، وبذل جهوده في نشر معارف أهل البيت (عليهم السلام) وبيان أحكام الشريعة المقدسة".

وبيّن المكتب البرنامج الخاص بمراسم التشييع، التي ستُقام على ثلاث مراحل في المدن المقدسة التي ارتبطت بتأريخ المرجع الراحل ومسيرته العلمية.

وتنطلق المرحلة الأولى صباح يوم الجمعة من مدينة الكاظمية المقدسة، حيث يبدأ موكب التشييع من حسينية آل ياسين باتجاه الصحن الكاظمي الشريف في الساعة التاسعة صباحًا.

أمّا المرحلة الثانية فتُقام في مدينة كربلاء المقدسة عصر اليوم نفسه، إذ ينطلق موكب التشييع من مرقد المولىأبي الفضل العباس (عليه السلام) باتجاه مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) عند الساعة الخامسة مساءً.

وفي المرحلة الثالثة والأخيرة، تحتضن مدينة النجف الأشرف مراسم الوداع الختامي صباح يوم السبت، إذ ينطلق موكب الجثمان الطاهر من مقر مكتب المرجع الراحل باتجاه الصحن العلوي الشريف، لإقامة مراسم الزيارة والصلاة قبل مواراة الجسد الطاهر الثرى في رحاب المدينة التي احتضنت مسيرته العلمية وأفنى فيها عمره المبارك في التدريس والبحث والإرشاد.

وكان الشيخ الفيّاض قد نُقل خلال الأيام الماضية إلى المستشفى لتلقّي العناية الطبية اللازمة إثر عارضٍ صحي ألمّ به، قبل أن يعلن عن وفاته صباح الرابع من حزيران/ يونيو 2026، لتفقد الحوزة العلمية والأمّة الإسلامية برحيله علمًا من أعلام الفقه والاجتهاد، وركنًا من أركان المرجعية الدينية العليا، الذي كرّس حياته لخدمة الشريعة الإسلامية ونشر علوم أهل البيت (عليهم السلام)، تاركًا إرثًا علميًّا وفقهيًّا سيبقى حاضرًا في وجدان تلامذته ومحبيه والأجيال القادمة.



من جِبالِ "غَزْني" إلى مَنابرِ النَّجَف الأشرف

لم يكن آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض مجرد مرجعٍ دينيٍّ عابر في تأريخنا المعاصر، بل كان ركنًا وثيقًا من الأركان الأربعة الكبار لمرجعية النجف الأشرف، وحارسًا أمينًا لفقه الطائفة؛ خطّ بجهده وجهاده ملامح مدرسةٍ فقهيةٍ تميزت بالدقة والعمق لقرابة قرنٍ من الزمان.

وُلد الشيخ الفياض عام 1930 في قرية "صوبة" النائية بمحافظة غزني الأفغانية، منتميًا إلى قومية "الهزارة". وفي تلك الربوع، نبتت أولى بذور الشغف العلمي، إذ تلقى تعليمه الديني الأولي على يد والده، قبل أن تشدّ روحه الرحال نحو مدينة مشهد الإيرانية.

هاجر إلى العراق في بداية خمسينات القرن الماضي، ليرتبط اسمه بالنجف الأشرف طوال سبعين عامًا تواصلت فيها عهود الدراسة والتدريس من دون انقطاع، ما يثبت أنّ النجف كانت وستبقى حاضنة الفكر الإنساني العابر للهويات الضيقة.

في أروقة النجف، بزغ نجم الشيخ الشاب ليكون من ألمع وأبرز تلامذة مرجع الطائفة الراحل وزعيمها الأسبق آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (قدّس سرّه الشريف)، ؛ فنهل من نمير علوم المرجع الاعلى الراحل السيد محسن الحكيم (قدّس سرّه الشريف). ولشدة نبوغه وعمق فطنته، اختاره السيد الخوئي ليكون عضوًا بارزًا في "لجنة الاستفتاء" الخاصّة به، وهي أرفع لجنة فقهية آنذاك. استمر في هذا العطاء لمدة 25 سنة، مجاورًا في هذه المسؤولية الجسيمة قامات فقهية كبرى، وفي مقدمتهم سماحة المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظلّه الوارف)، ليمثّل هذا الجيل حلقة وصل دائمة لحفظ التراث الفقهي وتطويره.

اعتلى الشيخ الفيّاض ذروة المجد العلمي بوصفه واحدًا من أقوى أساتذة "البحث الخارج" ومن أبرزهم في النجف الأشرف. واشتهر بدقة درسه الأصولي والفقهي وتخرّج على يديه مئات العلماء والفضلاء من مختلف أقطار العالم الإسلامي. ولم تقتصر مسيرته على اعتلاء المنبر، بل جادت قريحته بعطاءٍ فكريٍّ ثرّ أغنى المكتبة الإسلامية ببحوثٍ واكبت العصر وتحدياته المستجدة، برؤية منفتحة واعية، تجلت في أمهات مصنفاته:

منهاج الصالحين: الرسالة العملية الموجهة لمقلديه / كتاب البنوك: دراسة فقهية معاصرة ومبتكرة لأحكام البنوك، الأسهم، البورصات، والسندات / المسائل الطبية والمستحدثة: معالجة فقهية ذكية للقضايا العصرية والتطور الطبي المستمر/الأراضي: بحوث فقهية متقدمة حول ملكية الأراضي في الإسلام /المختصر في الحياة العملية لزعيم الطائفة السيد الخوئي: توثيقٌ لوفاء التلميذ لأستاذه.

إنّ أصالة الفقيه تتجلّى في مدى تلمسه لهموم طلابه ومجتمعه؛ ولم يكن المرجع الراحل بعيدًا عن هذا المبدأ، بل ترجم علمه إلى مشاريع خدمية وتعليمية كبرى، توّجها بتأسيس مشروع "مدينة العلم" السكنية والتعليمية في النجف الأشرف، ليوفّر لطلبة العلوم الدينية ملاذًا يجمع بين العبادة والدرس والاستقرار.

وبعد رحلةٍ حافلةٍ بالعطاء الرباني والجهد الفقهي، غيّب الموت هذا الطود الكبير في الرابع من حزيران لعام 2026، في أحد مستشفيات العاصمة بغداد إثر وعكة صحية ألمّت به. لقد رحل المرجع الفيّاض بجسده، لكنه ترك خلفه إرثًا فقهيًّا وإنسانيًّا حيًّا لا تذره الرياح، سيبقى منارة تُنير دروب السالكين وتلهم الأجيال القادمة معنى الزهد والتحقيق والوفاء.



المَرْجِعُ الأعْلَى يُعَزِّي بـ"أخِيهِ الصَّفِيِّ"

بكلماتٍ تفيض لوعةً وأسى، وفي مشهدٍ يختصر تعزية الدرب الطويل ورفقة العقود السبعة في أروقة الفقه والجهاد العلمي، نعى المرجع الديني الأعلى سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظلّه الوارف)، رفيقَ مسيرتهِ آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض (رضوان الله عليه)؛ واصفًا إيّاه بـ"الأخ الصفي"، واصفا رحيله بأنه خسارةً فادحةً تترك في صرح الحوزة العلمية فراغًا واسعًا يصعب ملؤه.

نص ما جاء في البيان:

بسم الله الرحمن الرحيم

(إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)

تلقيت ببالغ الأسى والأسف نبأ رحيل أخي الصفي المرجع الديني آية الله الشيخ محمد إسحاق الفياض (رضوان الله عليه).

لقد كان الراحل الكبير من الأعلام البارزين في الحوزة العلمية في النجف الأشرف خلال العقود الأخيرة، وتميز بجهوده الخالصة في خدمة العلم وأهله تأليفًا وتدريسًا وغير ذلك؛ ومن هنا، فإنّ الخسارة بفقده فادحة، والفراغ الذي تركه واسع يصعب ملؤه إلا بلطف الله تعالى وعنايته.

وإنّني إذ أعزي في هذا المصاب الجلل ولي الله الأعظم (أرواحنا فداه)، والحوزات العلمية، وأسرة الفقيد السعيد، والمؤمنين عامّة، أسأل الله العلي القدير أن يرفع درجته في الجنان، ويحشره مع أوليائه محمد وآله الطيبين الطاهرين، وأن يلهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.

ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العلي العظيم.

علي الحسيني السيستاني

18/ذي الحجة /1447 هــ





الكاظمية المقدسة ودّعت الشيخ (طيب الله ثراه)

ليست كل الجنائز سواء، فثمّة رجال يرحلون بأجسادهم، لكنهم يبقون حضورًا في الوجدان والذاكرة والضمير الجمعي للأمّة. وحين ودّعت الكاظمية المقدّسة سماحة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفيّاض (طيّب الله ثراه)، لم تكن تودّع شخصية دينية فحسب، بل كانت تودّع مرحلةً زاخرةً بالعلم والعطاء والتقوى، ورمزًا من رموز المرجعية الرشيدة التي كرّست حياتها لخدمة الإسلام وعلوم أهل البيت (عليهم السلام).

في ذلك المشهد المهيب، حيث امتزجت الدموع بالدعوات، وسارت الجموع المؤمنة في موكبٍ مفعم بالحزن والوفاء، بدت الكاظمية وكأنّها تستحضر تأريخًا طويلًا من العلاقة بين الأمّة وعلمائها. فالعلماء الكبار لا يُقاس أثرهم بعدد مؤلفاتهم فحسب، بل بما يتركونه من بصماتٍ في حياة الناس، وما يغرسونه من قيم الاعتدال والحكمة والوعي في وجدان المجتمع.

لقد جسّد الحضور الواسع في مراسم التشييع، من العلماء والفضلاء والشخصيات الرسمية والاجتماعية وعموم المؤمنين، حجم المكانة التي احتلها الراحل الكبير في قلوب محبيه وتلامذته ومريديه. وكان المشهد بأكمله رسالة وفاء لرجل أفنى عمره الشريف في ميادين البحث والتدريس والإرشاد، وظلّ لعقود طويلة صوتًا للحكمة وركنًا من أركان الحوزة العلمية المباركة.

ولم يكن حضور ممثلي المرجعية الدينية والعلماء ورئيس مجلس الوزراء والشخصيات الرسميّة إلى جانب وشرائح المجتمع المختلفة سوى تأكيدا بأنّ المرجعية الدينية تمثّل أحد أهم مرتكزات الاستقرار الفكري والاجتماعي، وأنّ العلماء الربانيين يمثلون جسورًا ممتدة بين القيم الدينية ومتطلبات الحياة المعاصرة.

وعكست الجهود التي بذلتها العتبة الكاظمية المقدسة في تنظيم مراسم التشييع واستقبال المعزّين صورةً مشرقةً من صور الوفاء والعرفان تجاه قامة علمية كبيرة تركت أثرًا عميقًا في مسيرة الأمّة الإسلامية. فالوفاء للعلماء ليس مجرد مشهد عابر، بل هو وفاءٌ للعلم الذي حملوه، وللرسالة التي نذروا أعمارهم من أجلها.



كربلاء شيعت الجثمان الطاهر

بعد أن شُيّع في الكاظمية كانت كربلاء قد استعدت مبكرًا لمراسم التشييع، إذ أكملت مِلاكات العتبة العباسية المقدسة كافّة استعداداتها لاستقبال جثمان المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفيّاض (رضوان الله عليه)، وكانت البداية من مجمّع الشيخ الكليني التابع لها، قبل دخول مدينة كربلاء المقدسة وذلك بحضور المتولّي الشرعي سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي.

وشهدت محافظة كربلاء المقدسة، يوم الجمعة، الموافق 5/ 6/ 2026م، وصول الجثمان الطاهر، إذ خيَّمت ملامح الحزن والأسى على وجوه المعزِّين الذين توافدوا للمشاركة في مراسم تشييع جثمان المرجع الديني الشيخ محمّد إسحاق الفياض (رضوان الله عليه) عند مرقدَي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام).

وحضَرَت مراسم التشييع جموع كبيرة من المؤمنين وخَدَمَة العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، وأساتذة الحوزة العلمية وطلبتها، وشخصيّات رسميّة وأكاديميّة واجتماعيّة.

وعبّر المشاركون عن عميق حزنهم ومواساتهم لفقد المرجع الراحل (رضوان الله عليه) الذي أفنى حياته في تدريس العلوم الدِّينية ونشر علوم أهل البيت (عليهم السلام) ومعارفهم وخَدَمَة المجتمع.

وشهدت العتبتان المقدستان الحسينية والعباسية مراسم تشييع جثمان المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفيّاض (رضوان الله عليه).



صلاة الوداع الأخيرة.. السيد الصافي يؤمّ المشيّعين للشيخ الفيّاض

في مشهدٍ مهيبٍ غلبت عليه مشاعر الحزن والأسى، وارتسمت فيه معاني الوفاء والعرفان لمسيرةٍ علميةٍ حافلةٍ بالعطاء،

أدّى المتولّي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي صلاة الجنازة على جثمان سماحة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفيّاض (رضوان الله عليه)، وسط حضورٍ واسعٍ من العلماء والفضلاء وطلبة الحوزات العلمية والشخصيّات الدينية والاجتماعية وجموع المؤمنين الذين توافدوا لتشييع أحد أعلام المرجعيّة الدينية المباركة.

وجسّد هذا المشهد الإيماني المهيب حجم المكانة الرفيعة التي حظي بها الفقيد الراحل في الأوساط العلمية والدينية؛ لما قدّمه من خدمات جليلة للإسلام والمسلمين، وما تركه من إرثٍ علمي وفقهي وفكري كبير أسهم في ترسيخ مبادئ الاعتدال والوعي وخَدَمَة علوم أهل البيت (عليهم السلام).

وقد ارتفعت أكفّ الدعاء إلى الباري (عزّ وجلّ) أنّ يتغمد الفقيد بواسع رحمته ورضوانه، وأنّ يجزيه خير الجزاء على ما بذله طوال عقودٍ من التدريس والبحث والتوجيه وخدمة الدين الحنيف.

وتأتي إقامة صلاة الجنازة على جثمان المرجع الراحل تعبيرًا عن عظيم التقدير والعرفان لقامةٍ علميةٍ سامقةٍ كرّست حياتها لخدمة الشريعة الإسلامية والحوزة العلمية، وأسهمت في رفد المكتبة الإسلامية بالنتاجات العلميّة والفقهيّة الرصينة، لتبقى سيرته المباركة ومنهجه العلمي منارةً تهتدي بها الأجيال وطلاب العلم في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.



النَّجَفُ الأشْرَفُ تُشَيِّعُ الرُّكْنَ الرَّابِعَ إلَى مَثْوَاهُ العَلَوِيِّ

في مشهدٍ تمازجت فيه غصّات القلوب بزفرات الفقد، وبِرعايةٍ وإشرافٍ مباشر من العتبة العلوية المقدسة، شيّعت الحاضرة العلمية في النجف الأشرف بجماهيرها الغفيرة جثمان الفقيد الكبير، آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفيّاض (قدّس سرّه الشريف).

وقد تقدّم جموع الملتفين حول النعش المهيب الآلاف من أساتذة الحوزة العلميّة وطلبتها، وممثلي المرجعيّات الدينيّة، إلى جانب وفود العتبات المقدسة والمزارات الشريفة، وشيوخ العشائر والوجهاء، الذين تقاطروا من كل حدب وصوب لوداع هذا الطود الفقهي الراحل.

وانطلق موكب التشييع المهيب في مسيرةٍ يملؤها الجلال والوقار من مكتب المرجع الراحل، متوجهًا عَبرَ الأزقّة التأريخيّة نحو الصحن العلوي الشريف؛ وحين وصول الجثمان الطاهر إلى أعتاب مرقد مولّى الموحدين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، كان في مقدمة مستقبليه الأمين العامّ للعتبة العلوية المقدسة الخادم السيد عيسى الخرسان، برفقة أعضاء مجلس الإدارة ورؤساء الأقسام وخَدَمَة المرقد المطهّر.

وفي أجواءٍ مشحونة بالخشوع والدموع، طاف النعش المهيب بضريح أمير المؤمنين (عليه السلام)، إذ أُقيمت مراسم الصلاة الرسميّة ومجالس العزاء على روحه الطاهرة في رحاب الصحن المطهّر، قبل أن يُوارى جثمانه الثرى، تاركًا وراءه إرثًا علميًّا خالدًا وذاكرةً حوزويّةً لن تنسى تلميذ السيد الخوئي الوفيّ.

وأوضح مصدرٌ في مكتب المرجع الديني الراحل الشيخ محمد إسحاق الفياض (قدس سره الشريف)، أنّ الفقيد أوصى قبل رحيله بأن يُوارى الثرى في مقرّ مكتبه بالنجف الأشرف، ذلك المكان الذي ارتبط بمسيرته العلمية الزاخرة، واحتضن حلقات درسه الحوزوي ولقاءاته العلمية، فضلًا عن استقباله الوفود والزائرين من مختلف أنحاء العراق والعالم الإسلامي.

وفي النجف الأشرف، بعد دفن الجسد الطاهر الثرى، اكتملت فصول الوداع الأخير، لكن سيرة الشيخ الفيّاض لم تُطوَ برحيله؛ لأنّ العلماء الكبار لا يغادرون المشهد الحقيقي للأمّة ؛ بل إنّهم يواصلون حضورهم عَبرَ أفكارهم وتلامذتهم وإرثهم العلمي والروحي الذي يبقى حيًّا في ضمير الأجيال.



العزاء شهادة وفاء.. النجف تستذكر

ليست مجالس الفاتحة مجرّد محطاتٍ لتلقي العزاء، بل هي في كثيرٍ من الأحيان وقفاتٌ للتأمل في مسيرة الراحلين الكبار واستحضار أثرهم في حياة النّاس والأمّة. وهذا ما تجلّى بوضوح في مجلس الفاتحة الذي أُقيم على روح المرجع الديني الكبير آية اللهالعظمى الشيخ محمد إسحاق الفيّاض (رضوان الله عليه) في قاعة المجمّع العَلَوي بمحافظة النجف الأشرف، حيث بدا المشهد أكبر من مناسبة عزائية، وأعمق من مراسم وداع تقليدية.

فالنجف الاشرف التي عاشت عقودًا طويلة على إيقاع دروسه وبحوثه وتوجيهاته العلمية، عادت لتستحضر إرثه الفكري والفقهي والإنساني في لحظة امتزج فيها الحزن بالفخر، والأسى بالعرفان. ولم يكن توافد العلماء وطلبة الحوزة والشخصيات الدينية والرسميّة والاجتماعية وجموع المؤمنين إلى مجلس العزاء إلا تعبيرا صادقا عن حجم الحضور الذي تركه الفقيد في وجدان المجتمع العلمي والديني.

وحين يتقدّم المتولّي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، يرافقه الأمين العام السيد مصطفى مرتضى آل ضياء الدين مع عدد من مسؤولي العتبة وخدمتها، للمشاركة في مجلس الفاتحة، فإنّ ذلك لا يعبّر عن واجبٍ بروتوكولي أو حضورٍ رسمي فحسب، بل يجسّد ثقافة الوفاء التي دأبت عليها المؤسّسات الدينية تجاه العلماء الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الدين والإنسان.

لقد كان الشيخ الفيّاض واحدًا من أبرز وجوه المرجعيّة الدينية المعاصرة، ورمزًا من رموز الحوزة العلمية التي حملت رسالة العلم والاعتدال والحكمة.

وعلى مدى سنوات طويلة، أسهم في إعداد أجيالٍ من العلماء والفضلاء، وترك نتاجًا علميًّا وفقهيًّا رصينًا ما زال يشكّل مرجعًا لطلاب العلم والباحثين.

وفي أجواء مجلس العزاء، لم تكن كلمات المواساة وحدها هي الحاضرة، بل حضرت معها سيرة رجلٍ كرّس حياته للعلم والتقوى وخدمة الإسلام والمسلمين.

فكل وجهٍ جاء معزّيًا كان يحمل في ذاكرته موقفًا أو درسًا أو أثرًا من آثار هذه الشخصيّة العلميّة الكبيرة التي تجاوز تأثيرها حدود المكان والزمان.

إنّ رحيل العلماء الكبار يترك فراغًا يصعب ملؤه، لكن عزاء الأمّة فيهم أنّ آثارهم لا ترحل برحيلهم، وأنّ ما زرعوه من علمٍ ومعرفةٍ وقيمٍ يبقى ممتدًا في تلامذتهم ومؤلفاتهم ومواقفهم. ولذلك بدا مجلس الفاتحة في النجف الأشرف وكأنّه تجديدٌ للعهد مع مدرسة الشيخ محمّد إسحاق الفيّاض، واستذكارٌ لمسيرةٍ حافلةٍ بالعطاء ستظلّ حاضرةً في ذاكرة الحوزة العلمية ووجدان محبيه.



رحيلُ عَلَمٍ فقهيٍّ يهزّ الأوساطَ الدينيةَ والسياسيةَ

نبأ رحيل المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفيّاض (قدّس سرّه الشريف) أظهر تفاعلا واسعا على المستوَيين الديني والسياسي، محليًّا ودوليًّا، حيث توالت بيانات النعي والتعزية من مختلف المرجعيّات والمؤسّسات الرسمية والدينية، في مشهدٍ عكس حجم المكانة التي كان يحتلها الفقيد في الوجدان الإسلامي والعلمي.

فعلى صعيد المرجعيات الدينية والحوزوية، أصدر المرجع الأعلى سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله الوارف) بيان نعي وصف فيه الفقيد بـ "الأخ الصفي"، مؤكّدًا أنّ "الخسارة بفقده فادحة، والفراغ الذي تركه واسع يصعب ملؤه"، مشيدًا بما قدمه من جهودٍ خالصة في ميادين التدريس والتأليف وخدمة الحوزة العلمية.

ونعى المرجع الديني الشيخ بشير النجفي (دام ظلّه) رفيق دربه، وشارك في مراسم العزاء والرثاء، فيما توالت بيانات النعي من أساتذة الحوزة العلمية في النجف الأشرف وقم المقدّسة، التي استذكرت مكانة الفقيد بوصفه أحد أبرز أعمدة الفقه المعاصر.

أمّا على المستوى السياسي والاجتماعي في العراق، فقد أصدر رئيس مجلس الوزراء بيانًا رسميًّا نعى فيه الفقيد، واصفًا إيّاه بأنّه "علمٌ من أعلام الفقه، ومرجع ترك بصمة واضحة في الفكر الإسلامي"، معلنًا الحداد الرسمي في البلاد لمدّة ثلاثة أيّام.

ونعاه رئيس الجمهورية، الذي حضر شخصيًّا مجلس الفاتحة في النجف الأشرف، مؤكّدًا أنّ الراحل تميز بالحكمة والاعتدال، وأسهم في ترسيخ السلم المجتمعي وتعزيز وحدة العراقيين.

وتواصلت بيانات التعزية من قادة القوى السياسية والاجتماعية في البلاد، الذين أشادوا بما أفناه الفقيد من عمرٍ في خدمة الدين ونشر قيم الإسلام، إلى جانب بيانات مماثلة صدرت عن وزارات ومؤسّسات حكوميّة رسميّة، عبّرت عن بالغ الحزن لفقدان هذه القامة العلمية الكبيرة.

وعلى الصعيد الدولّي، قدّمت بعثة الأمّم المتحدة في العراق تعازيها إلى المرجعيات الدينيّة والشعب العراقي، مشيدةً بالإرث العلمي والديني الذي تركه الفقيد، ومؤكّدةً أهمية نهجه القائم على الحكمة والاعتدال في إلهام الأجيال القادمة وتعزيز قيم التعايش والسلام.

وبين هذا الزخم من بيانات النعي والتعازي، بدا رحيل الشيخ محمد إسحاق الفيّاض حدثًا يتجاوز حدوده المحليّة، ليجسّد فقدان شخصيّة دينيّة وعلميّة تركت أثرًا عميقًا في مسيرة الفكر الإسلامي المعاصر، ومساحة واسعة من الاحترام في الداخل والخارج.



خلاصة القول: يغيب الجسد وتبقى المدرسة

ليس كل رحيلٍ يُختصر في لحظة وداع، فثمة رجالٌ حين يغادرون الدنيا يتركون خلفهم ما هو أعمق من الذكرى، وأبقى من الحضور، وأوسع من حدود الزمان والمكان.

وهكذا كان المرجع الديني الشيخ محمد إسحاق الفيّاض (قدّس سرّه الشريف)، الذي لم يكن مجرد اسمٍ في سجلّ المرجعيّة، بل مدرسةً كاملةً في العلم والورع، ومسارًا ممتدًا من الفقه والتقوى وخدمة الإنسان.

لقد رحل الجسد، لكن ما بقي ليس أثرًا عابرًا، ؛ بل منهجا علميا وروحيا تشكّل عَبرَ عقودٍ من التدريس والبحث والإرشاد، وصار جزءًا من بنية الوعي الحوزوي، وامتدادًا لرسالة العلماء الربانيين الذين حملوا همّ المعرفة الدينية بصدقٍ وإخلاص.

ومن هنا، لم يكن وداعه وداع فرد، بل وداع مرحلةٍ من العطاء العلمي الهادئ الذي يترك أثره في الأجيال من دون ضجيج.

كان الشيخ الفيّاض مثالًا للعالم الذي يختار الصمت في حضرة العمل، والبذل في مساحات التأثير الحقيقي، بعيدًا عن الأضواء، قريبًا من طلبة العلم، حاضرًا في ميادين التربية الفقهية التي تصنع الرجال قبل أن تصنع الأقوال.

لذلك استحق أن يُشيَّع بالحب، لا بوصفه تقليدًا اجتماعيًّا، بل بوصفه اعترافًا بفضلٍ لا يُنسى، وأن يُودَّع بالدعاء، لا بوصفه لحظة عاطفية عابرة، بل تعبيرًا عن امتنانٍ لمسيرةٍ امتدت حتى آخر العمر.

وإذا كان الموت نهايةً طبيعية لكل حيّ، فإنّ أثر العلماء هو الاستثناء الذي يُربك مفهوم الغياب، لأنّهم يرحلون بأجسادهم ويقيمون في عقول تلامذتهم، وفي كتبهم، وفي كل فكرةٍ وُلدت من دروسهم. وهكذا تبقى مدرسة الشيخ الفياض شاهدةً على أنّ العلم إذا اقتُرن بالإخلاص صار حياةً ثانية لا يطالها الفناء.

رحم الله الفقيد الكبير رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته مع محمد وآله الطاهرين، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجعل ما قدّمه من علمٍ وعملٍ صالحٍ في ميزان حسناته يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلّا من أتى الله بقلبٍ سليم.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات بعد

تعليقات القراء

الاكثر قراءة