alkafeelGlobal alkafeelGlobal

بجوار الكفيل: مضيف العتبة العباسية، تجسيد للكرم الهاشمي في إطعام الطعام على حبّه

بجوار الكفيل: مضيف العتبة العباسية، تجسيد للكرم الهاشمي في إطعام الطعام على حبّه
هنا حيثُ القبةُ الذهبيةُ التي تعانقُ السماءَ ومنائرُها التي تحيي القادمينَ بفيضِ التكبيراتِ والدعاءِ كانَ للفضلِ والجودِ حكايةٌ، صاحبُ هذا المضيفِ أحالَ كلَّ عباراتِ العطشِ إلى عطاءٍ لا قرار له لا عنوان، فالأكفُّ التي قُطعتْ ذاتَ يومٍ لأنَّها ارتفعتْ لنصرةِ المظلومِ عادتْ مرةً أخرى اليومَ تَروي ظمأَ العاشقينَ وتمدَّهم بفيضِ خيراتِهِ طعامًا طيبًا.

وتتسابقُ خطى الزائرينَ عليهِ للتبركِ بطعامِ الساقي الذي يعدُّونَهُ شفاءً لهم وبركةً، ويحرصونَ فيما بعد على أنْ يأخذوا الخبزَ الذي يُقدَّمُ مع الوجبةِ كهديةً لذويهم ممنْ لَم يتبركوا بالحضورِ وبعضُهم يأخذُ الخبزَ بنيةِ الشفاءِ لمرضاهُم، لذا يحتلُ في قلوبِ الزائرينَ مكانةً طيبةً.



  • اقتباس

أكد المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي "أنّ الخدمة المقدمة في مضيف العتبة العباسية، هي تجسيد للكرم الهاشمي ودليل على التعلق السرمدي بالإمام الحسين -عليه السلام-".

واعتبر أنّ خدمة الزائرين في المضيف والمواكب الحسينية هي "مجلب للسعادة في الدنيا والآخرة"، مشيدًا بالإصرار على هذه الخدمة من مختلف الأعمار

.



  • البدايات الأولى

يُعدّ مضيفُ أبي الفضلِ العبّاسِ (عليه السلام) من أقدمِ مضايفِ العتباتِ المقدّسةِ في العالمِ الإسلاميِّ أجمع، يعودُ تاريخُ قرارِ تأسيسِهِ الى عامِ (1970) وتشييد بنائه إلى عامِ (1980م)، وفي عامِ 2004 تشكلتْ لَجنة خاصة لإدارتِهِ برئاسةِ الحقوقي الحاجِّ كاظم عبد الحسين عبادة وأُجريتْ عليهِ بعضُ أعمالِ الصيانةِ والترميمِ وتنظيمِ الأمورِ الإداريّةِ، وافتُتِحت بنايةُ هذا المضيفِ بحلّتهِ الجديدةِ بوصفه قسمًا من أقسامِ الأمانةِ العامّةِ للعتبةِ المقدّسةِ في ذكرى مولدِ قمرِ العشيرةِ أبي الفضلِ العبّاسِ (عليهِ السلامُ) في الثالثِ من شعبانَ (1425هـ) ليقدّمَ الطعامَ للزائرينَ الكرامِ.

ومعَ عمليّةِ التوسعةِ في الحائرِ الشريفِ خُصِّصَتْ مساحةٌ كبيرةٌ لتوسعةِ صالةِ المضيفِ التي بدأتْ باستيعابِ (500) في الوجبةِ الواحدةِ بعدَ أنْ كانتْ تستوعبُ (100) زائر فقط خلالَ سنواتِ تأسيسهِ الأولى آنذاك، لذلكَ باتَ يستقبلُ ما يقاربُ (3000) زائرٍ في وجبةِ الغذاءِ الواحدةِ وأقلَّ منها في وجبةِ العشاءِ واكثرَ منها بكثيرٍ في المناسباتِ الدينيةِ، فيما بلغَ التجهيزُ السفريُّ خارجَ المضيفِ (400) وجبة للغداءِ ومثلَها للعشاءِ.



  • خلية النحل

مضيفُ أبي الفضلِ العباسِ (عليهِ السلامُ) له هيكليةٌ إداريةٌ خاصةٌ، فهوَ مُكوَّنٌ من الشعبةِ الإداريّةِ التي تتكوّنُ من ثلاثِ وحداتٍ وهي (وحدةُ الماليّةِ، وحدةُ الذاتيةِ، وحدةُ الآلياتِ) .

شعبةِ الضيافةِ وتتكوّنُ من ثلاثِ وحداتٍ وهي (التشريفاتُ والاستقبالُ، وحدةُ القهوةِ العربيّةِ – منافذُ التوزيعِ – وحدةُ الفنادقِ ( مجمعُ الهاديِّ (عليهِ السلامُ)).

شعبةِ المخزنِ وتتكوّنُ من (وحدةِ المشترياتِ، وحدةِ نُظُمِ المعلوماتِ، وحدةِ القصابةِ)، وهي مجموعةٌ من أمهرِ الطبّاخينَ الذينَ يعدّونَ الطعامَ للزائرينَ الكرامِ ويقدمونَ أفضلَ الأكلاتِ العراقيّةِ بأنواعِها المختلفةِ .

شعبةِ التغذيةِ وتتكوّنُ من (وحدةِ إعدادِ الطبخِ، وحدةِ إعدادِ الوجباتِ والسلاتِ)، وهي مجموعةٌ من أمهرِ الطبّاخينَ الذينَ يُعدّونَ الطعامَ للزائرينَ الكرامِ ويقدمونَ أفضلَ الأكلاتِ العراقيّةِ بأنواعِها المختلفةِ.

شعبةِ الحانوتِ التعاونيِّ التي تختصُّ بتجهيزِ منتسبي العتبةِ المقدّسةِ بمختلفِ أنواعِ الطعامِ مقابلَ مبلغٍ ماليٍّ مدعومٍ بأمرٍ من أمانةِ العتبةِ المقدّسةِ فيما تقومُ خلالَ الزياراتِ المليونيةِ بتقديمِ الوجباتِ للمنتسبينَ والمتطوعينَ والجهاتِ الساندةِ.

شعبةِ مستشفى الكفيلِ وهي شعبةٌ تهتمُّ بتجهيزِ الكوادرِ الطبيّةِ في المستشفى وكذلكَ المرضى الراقدينَ فيها بالطعامِ.



  • فيض الجود في الأزمات والمحن

لمْ يكنْ هذا الجودُ مقتصرًا على الزائرينَ فقط، بل مدَّ جناحيهِ إلى أبعدَ منْ ذلكَ بكثيرٍ، فقد شهدتْ له سنواتُ المواجهةِ معَ عصاباتِ داعشِ الإجراميةِ أنَّه كانَ حاضرًا لإطعامِ المقاتلينَ الابطالِ عَبرَ تفويجِ قافلاتِ الطعامِ لهُم في جبهاتِ المواجهةِ من أجلِ دعمِ المجهودِ الحربيِّ وتحقيقِ النصرِ.

وحينما أُغلقتْ الأبوابُ، وتعالى الخوفُ، وتباعدَ الناسُ، كانَ مضيفُ أبي الفضلِ العباسِ -عليهِ السلامُ- حاضرًا في مدةِ جائحةِ كورونا وذلكَ من خلالِ تجهيزِ المستشفياتِ والمنتسبينَ في وزارةِ الصحةِ والراقدينَ بالطعامِ من المضيفِ، فضلًا عن توفيرِ وجباتٍ كسلالٍ غذائيةٍ للعوائلِ المتعففةِ التي أضرتْ الجائحةُ بمستوى معيشتِهِم.

ومثلما كانَ حاضرًا في محنتِهم كانَ حاضرًا في وحدتِهم ورفضِهم واحتجاجاتِهم، فقد قدَّمَ مضيفُ المولى أبي الفضلِ العباسِ -عليهِ السلامُ- وجباتِ الطعامِ إلى المحتجينَ في مدةِ احتجاجاتِ تشرينَ عبرَ منفذِ توزيعٍ تمَّ نصبُهُ في فلكةِ احرارِ كربلاءَ طَوالَ أيامِ الاحتجاجاتِ.

كما ولم تكنْ أكفُّ المولى بعيدةً عن يتاماه، فقدْ دأبَ مضيفُ جودِهِ على استضافةِ أبناءِ الشهداءِ وذويهِم وكذلكَ الأيتامِ وتقديمِ الطعامِ لهُم مثلما كانَ حاضرًا في استضافةِ طلبةِ الجامعاتِ التي كانتْ تَفِدُ خلالَ حفلاتِ التخرجِ والمؤتمراتِ فضلًا عن ضيوفِ نشاطاتِ العتبةِ كافةً.

وفي الزياراتِ المليونيّةِ يقومُ مضيفُ أبي الفضلِ العباسِ -عليه السلامُ- بتوزيعِ عشراتِ الآلافِ من الوجباتِ الغذائيّةِ المتنوّعةِ على الزائرينَ، وله منافذُ عدّة لتوزيعِ الطعامِ في الطرقِ الخارجيّةِ على الزائرينَ القادمينَ مشيًا على الأقدامِ وعلى جميعِ المحاورِ المؤدّيةِ إلى مدينةِ كربلاءَ المقدّسةِ.



  • - وهنا ربَّ سائلٍ يسألُ كيفَ يتمُّ تمويلُ المضيفِ ماليًا؟

المضيفُ يتمُّ تمويلُهُ من جهتينِ الأولى عن طريقِ استلامِ سلفةٍ ماليّةٍ من قبلِ أمانةِ العتبةِ المقدّسةِ، أمّا الجهةُ الأخرى فهيَ من الهدايا والنذورِ التي يقدِّمُها الزائرونَ للعتبةِ المقدّسةِ.





  • آلية التبرك بالمضيف

إنَّ آليةَ دخولِ الزائرينَ إلى مضيفِ العتبةِ المقدّسةِ تتمُّ عن طريقِ ثلاثةِ مصادرَ، أوّلُها بتوزيعِ بطاقاتِ المضيفِ على الزائرينَ من دونَ تمييزٍ بين زائرٍ وآخرَ، من الساعةِ السابعةِ صباحًا ولغايةِ الساعةِ العاشرةِ، من خلالِ مكتبِ المضيفِ الكائنِ قربَ المضيفِ.

أما المصدرُ الثاني فهو من خلالِ قسمِ الهدايا والنذورِ، فكلُّ زائرٍ يتبرّعُ بأيِّ مادّةٍ عينيّةٍ وغيرِها يُعطى بطاقةَ مضيفٍ له ولعائلِتِه.

المصدرُ الثالثُ من خلالِ قسمِ العلاقاتِ العامّةِ الذي يأتي بمؤسّساتِ الأيتامِ ومنظّماتِ المجتمعِ المدنيِّ وعوائلِ الشهداءِ والجرحى.

يُجرى تقسيم المستفيدين إلى ثلاث فئات رئيسية لضمان انسيابية العمل: الزائرون الوافدون، وهم الفئة الأكبر وتشمل الزائرين العراقيين والعرب والأجانب، وتُمنح لهم الأولوية في منافذ التوزيع الخارجية والبطاقات التبركية

.

والمنتسبون والمتطوعون، إذ تشهد المناسبات الكبرى مثل يوم عرفة استنفار آلاف المتطوعين (الحشد الخدمي) لإسناد كوادر العتبة، ويتكفل المضيف بتأمين وجبات الطعام الكاملة لجميع القوى الأمنية والخدمية والصحية التي تدير الزيارة.

كما يخصص المضيف حصصًا ثابتة يوميًا تُوزع عبر قنوات خاصة للحالات الإنسانية والعوائل المتعففة المسجلة لدى قسم الرعاية الاجتماعية في العتبة.



  • عند الكهوجي بداية الرحلة ونهايتها

بعقالِهِ العربيِّ وملابسةِ العربيةِ الأصيلةِ يصطفُّ هنا منذُ ساعاتِ الصَّباحِ الأولى وحتَّى ساعاتٍ متأخرةٍ من الليلِ، يقفُ هنا بدماثةِ المستلهم لأخلاق أبي الفضل العباس (عليه السلام) يَسقي العاشقينَ حلاوةَ قهوةٍ خارجَ نطاقِ المرارةِ المتعارفِ عليها، هو الكهوجيُّ باللغةِ الدارجةِ، يقفُ هذا الدالُّ عن جودِ صاحبِ الجودِ بقهوتِهِ عندَ بابِ مضيفِ سيدِ الجودِ أبي الفضلِ العباسِ -عليهِ السلامُ-.

ووفقًا للعاداتِ والتقاليدِ العراقية الأصيلة فالفنجانُ الأوّلُ من القهوةِ للترحيبِ، أمَّا الثاني فهو اختياريٌّ للضيفِ، أما الثالثُ فهوَ لتبيانِ تشريفِ الضيفِ للمضيفِ، التقاليدُ أيضًا لا تبيحُ للكهوجيِّ أن يصبَّ القهوةَ لضيفِهِ بيدِهِ اليسرى وعلى الضيفِ عدمُ استلامِ فنجانِ القهوةِ باليسرى أيضًا، الكميةُ التي في الفنجانِ لها ضوابطُها العربيةُ فلا بدَ من أنْ تكونَ بصبِّ الحشمةِ أي بمقدارٍ قليلٍ جدًا، وأنّ على الضيفِ هزُّ الفنجانِ إنْ اكتفى، وعكسُ ذلكَ سيبقى الكهوجيُّ يصبُّ له حتى آخرِ فنجانٍ في دلةِ القهوةِ.

وعندَ كهوجيِّ المضيفِ تنتهي رحلةُ الزائرينَ مع مضيفِ أبي الفضلِ العباسِ -عليهِ السلامُ-، فالقهوةُ هنا مذاقُها مغايرٌ وفريدٌ، حاولَ كثيرونَ فكَّ شيفرةَ المكوناتِ لكنَّهم عجزوا وبقيتْ سرًّا من أسرارِ هذا المكانِ البهيِّ, فالقهوةُ هنا هيَ آخرُ شيءٍ يُقدَّمُ للزائرينَ بعدَ الطعامِ ليبقى مذاقُها الفريدُ ذاكَ في فمِ كلِّ زائرٍ، ويخرجونَ من المضيفِ وهم يحملونَ حلاوةَ المكانِ ومرارةَ الذكرى الموجعةِ لصاحبِ المكانِ.



  • بالأرقام

إنَّ المجموعِ الكليِّ لوجباتِ الاطعامِ في مضيفِ المولى أبي الفضلِ العباسِ -عليهِ السلامُ- والتي قُدِّمتْ للزائرينَ كافةً وللضيوفِ والمتطوعينَ والمؤسّساتِ الصحيةِ والساندةِ والمحتجينَ وفي مدةِ جائحةِ كورونا فقط للأعوامِ( 2019- 2020-2021 ) قد بلغتْ سبعة ملايين وثمانمائة وخمسة وعشرون ألفًا وثمانمائة وثمانية وستون (7،825،868 ) وجبةً .

ومنذ بداية عام 2026 وحتى الآن، بلغت معدلات الضيافة اليومية ما بين 8,000 إلى 15,000 وجبة طعام في ليلة الجمعة الواحدة، لتلبية احتياجات الأعداد المتزايدة من الزائرين

.

وفي زيارة يوم عرفة هذا العام، قدم أكثر من 38,000 وجبة طعام للزائرين عبر منافذه الرئيسية.

أما في أيام عيد الأضحى المبارك، فقد تم توزيع 30,000 وجبة طعام إضافية على الوافدين إلى مدينة كربلاء. المقدسة .

اما في زيارة الأربعين لهذا العام قدمت العتبة المقدسة 9.997.062 وجبة طعام رئيسة عبر 48 منفذًا انتشرت داخل مدينة كربلاء ومحاورها والمجمعات الخدمية إلى جانب 1.696.664 وجبة بينية ووزّعت أكثر من 191 طنًّا من الفواكه.



خلاصة القول

لا تقتصر الضيافة على الوجبات الرئيسية (الفطور، الغداء، العشاء)، بل تشمل توزيع مئات الآلاف من قناني الماء المبرد، والعصائر، والفواكه على مدار الساعة لمواجهة حرارة الطقس.

وتشرف لجان صحية ورقابية على إعداد الطعام لضمان الجودة والسلامة الغذائية، ويتم الاعتماد على مزارع ومعامل العتبة لتمويل المضيف باللحوم والخضار والمياه، بما يضمن استدامة الدعم.

وبهذا يُعدّ مضيف العتبة العباسية المقدسة نموذجًا راسخًا في خدمة الزائرين وتقديم الدعم الإنساني المستمر، إذ يجسّد مفهوم الضيافة بوصفه مسؤولية دينية واجتماعية تتجاوز حدود الإطعام إلى ترسيخ قيم التكافل والكرم. ومع اتساع خدماته وتنوع قنواته، يواصل المضيف أداء دوره في تلبية احتياجات الملايين من الزائرين والعوائل المتعففة، ليبقى علامة بارزة في منظومة الخدمة والإنسانية.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات بعد

تعليقات القراء

الاكثر قراءة