من العرض إلى الأثر: مشاركات العتبة العباسية المقدسة في المعارض المحلية والدولية
لم تسجل مشاركات العتبة العباسية المقدسة في المعارض المحلية والدولية حضورا عابرا تفرضه مناسبة أو فعالية؛ فخلف الأجنحة التي تتغير من معرض إلى آخر، تتشكل صورة أوسع عن مؤسسة تتعدد نتاجاتها وتتسع مجالات عملها، من الكتاب والموسوعة والدراسة إلى المنتج الزراعي والغذائي والإنشائي، وصولا إلى الخدمات والحلول المتخصصة.
وفي كل مشاركة في معرض، يذهب جزء مختلف من هذا النتاج إلى جمهوره؛ ففي المعارض الاقتصادية والإنتاجية تخرج القدرات الصناعية والزراعية والخدمية إلى السوق، وفي المعارض الثقافية يصل النتاج الثقافي إلى القارئ والباحث، فيما تفتح المشاركات الخارجية نافذة أمام النتاج العراقي للوصول إلى فضاءات عربية ودولية.
ومن هنا، ارتبطت مشاركات العتبة المقدسة بالتعريف بنتاجاتها، والتواصل مع محيطها، ومواكبة الحراك الثقافي والعلمي، والاطلاع على تجارب المشاركين الآخرين، ومع تنوع هذه المشاركات واتساعها، تحول المعرض تدريجيا من مساحة لعرض ما أُنجز إلى نقطة لقاء بين النتاج والجمهور، وبين المؤسسة والسوق، وبين التجربة المحلية والفضاءات الأوسع.

2024 من خمسة تشكيلات إلى منظومة أوسع
شاركت العتبة العباسية المقدسة خلال السنوات الماضية في كثيرٍ من المعارض المحلية والدولية، وتنوعت تشكيلاتها المشاركة فيها ونتاجاتها وصولا الى عام 2024، عندما شاركت في الدورة السابعة والأربعين من معرض بغداد الدولي عن طريق خمسة تشكيلات رئيسة: شركة خير الجود لتكنولوجيا الصناعة والزراعة الحديثة، وشركة نور الكفيل للمنتجات الحيوانية والغذائية، وشركة الكفيل للاستثمارات العامة، وقسم المشاريع الهندسية، ومركز الكفيل للإعلان والتسويق.
وقدمت هذه الجهات منتجات حيوانية وغذائية وإنشائية وإعلانية، في مشاركة وصفتها الشركة العامة للمعارض والخدمات التجارية بأنها متميزة من حيث تنوع المواد المعروضة.
ولم يقتصر حضور قسم المشاريع الهندسية على منتج واحد؛ إذ قدمت شعبة الصناعات الإنشائية مواد أولية مثل الجلمود والبحص والركام الناعم والخشن والحصى الخابط، إلى جانب البلوك وبلاطات الأرصفة والمقرنص، ومنها المقرنص المزجج، في مشاركة ارتبطت بتشجيع المنتج المحلي واليد العاملة الوطنية.
وفي هذه المرحلة، كان المعرض يكشف بصورة واضحة عن اتساع القدرات الإنتاجية داخل العتبة المقدسة، ويقدم المنتج المحلي بوصفه جزءا من النشاط الاقتصادي، لا مجرد نتاج يعرض أمام الجمهور.

2025.. المشاركة أكثر ارتباطا بالسوق
في الدورة الثامنة والأربعين من معرض بغداد الدولي عام 2025، استمرت المشاركة عن طريق شركات خير الجود، ونور الكفيل، وشركة الكفيل للاستثمارات العامة، وقسم المشاريع الهندسية، لكن أهداف الحضور بدت أكثر ارتباطا بالسوق.
فشركة خير الجود ربطت مشاركتها بتأكيد وجودها في السوق العراقي، وترسيخ العلاقات التجارية والاقتصادية مع الشركات الأخرى، وتعزيز التعاون مع العملاء داخل العراق وخارجه، وعرضت منتجات الأسمدة الزراعية والمبيدات الحيوية والمعقمات والمنظفات والأسمدة المتخصصة.
أما نور الكفيل، فعرضت اللحوم الحمراء والبيضاء والألبان والمواد الجافة والمأكولات الجاهزة والبهارات، في حين قدمت شركة الكفيل للاستثمارات العامة منتجات غذائية وزراعية وحلولا للطاقة الشمسية، شملت الألواح والبطاريات والانفيرترات والخلايا الشمسية، إلى جانب منتجات مياه الكفيل وتمور الكفيل ومشروع الكفيل لحلول الطاقة.
وعرض قسم المشاريع الهندسية أكثر من 32 نوعا من منتجات الصناعات الإنشائية.
هنا لم يعد حضور المعرض مرتبطا بعرض المنتج وحده؛ فالشركة تجد نفسها أمام منافسين وعملاء وشركاء محتملين، وتستمع إلى الملاحظات، وتتعرف إلى احتياجات السوق، وتختبر حضور منتجاتها خارج إطار المؤسسة.
وبذلك، بدأ المعرض يؤدي وظيفة تتجاوز التعريف بالمنتج إلى بناء علاقة مباشرة مع السوق.

2026.. اتساع صورة المشاركة
في الدورة التاسعة والأربعين عام 2026، اتسعت المشاركة لتضم شركات الكفيل للصناعات الغذائية، ونور الكفيل، وخير الجود، وقسم المشاريع الهندسية، ومستشفى الكفيل التخصصي، ليمتد المعروض من المنتجات الصناعية والزراعية والإنشائية إلى الخدمات الصحية.
وهذا التنوع يقدم صورة مختلفة عن المشاركة؛ فالجناح لم يعد يمثل منتجا أو نشاطا منفردا، وإنما يختصر جانبا من منظومة إنتاج وخدمات متعددة المجالات.
وبذلك يظهر مسار السنوات الثلاث بوضوح: بدأت المشاركة بعرض مجموعة متنوعة من النتاجات، ثم ازدادت صلتها بالسوق والعلاقات التجارية، وصولا إلى صورة أوسع تجمع بين المنتجات والخدمات، ومع اتساع مجالات العمل، أصبح من الطبيعي أن تتسع معه المنصات التي تحضر فيها العتبة المقدسة.

من عرض المنتج إلى بناء العلاقات
اتساع مشاركات العتبة العباسية المقدسة في المعارض لا يفسر وحده ما يحدث داخل المعارض؛ فالقيمة الفعلية تظهر في الطريقة التي يتحول بها الجناح من مساحة لعرض المنتجات إلى نقطة تواصل مع السوق والمختصين والشركاء المحتملين.
ويظهر ذلك بوضوح في المشاركات الاقتصادية والإنتاجية؛ ففي أسبوع الزراعة العراقي، مثلا، لم يكن حضور شركة خير الجود مقتصرا على عرض منتجاتها؛ بل ارتبط بعرض نشاطها في مجال الإنتاج الحيواني والنباتي، والتعريف بمنتجاتها المسجلة، إلى جانب ما تعمل عليه من منتجات أخرى، بما يتيح لها الوصول المباشر إلى العاملين في القطاع الزراعي والجهات المرتبطة به.
والأمر نفسه يظهر بمشاركة مطبعة القمر في معرض الصناعات الغذائية والتغليف؛ إذ لم يكن حضورها منفصلا عن طبيعة عملها، بل قدمت عن طريق الجناح حلولا متكاملة في مجال الطباعة والملصقات والتغليف، بدءًا من الاستشارة والتصميم وصولا إلى التنفيذ.
وهنا يصبح الجناح المشارك وسيلة للتعريف بالإمكانات، والتواصل مع الشركات، والتعرف إلى احتياجاتها، وبناء علاقات يمكن أن تستمر بعد انتهاء المعرض.
هذه الصورة تكشف جانبا لا يظهر دوما في المشهد الأول للمعرض؛ فالزائر يرى المنتجات والخدمات المعروضة، لكن خلف هذا العرض عملية أخرى تجري في الوقت نفسه: أسئلة يطرحها الزائرون، وملاحظ تصل إلى المنتجين، واحتياجات تظهر عن طريق النقاش، وفرص للتعاون تنشأ من اللقاء المباشر.
وبذلك، فالمشاركة لا تنتهي عند لحظة مشاهدة المنتج؛ فالمعرض يمنح المنتج فرصة لاختباره أمام جمهوره، ويمنح المؤسسة فرصة لترى ما يدور في السوق بدلا من الاكتفاء بالحديث عنه.

من الميدان الاقتصادي الى الثقافي.. وجه آخر للمشاركة
إذا كانت المعارض الاقتصادية والإنتاجية قد كشفت عن جانب من قدرات العتبة العباسية المقدسة في مجالات الصناعة والزراعة والخدمات، فإن المشاركة لا تقف عند حدود المنتج المادي؛ فهناك مسار آخر يمتد إلى النتاج الفكري والثقافي والعلمي.
فإلى جانب الشركات والأقسام التي تحمل منتجاتها إلى المعارض، تحضر المؤسسات المعرفية والثقافية بما تنتجه من كتب ودراسات وموسوعات ومجلات وتحقيقات، لتلتقي بجمهور مختلف؛ من القارئ والباحث والطالب إلى الأكاديمي والمهتم بالشأن الثقافي والتراثي.
وهنا تتغير طبيعة العلاقة مع المعرض، ففي حين تتيح المعارض الاقتصادية فرصة للتعريف بالمنتج والتواصل مع السوق، تمنح المعارض الثقافية مساحة للوصول إلى القارئ، وتقديم المشاريع العلمية والمعرفية، والتعريف بما تنتجه المؤسسات المتخصصة في مجالات الفكر والتراث والدراسات.
ومن هذا الباب، يصبح الجناح الثقافي صورة مصغرة عن المشروع المعرفي للعتبة المقدسة، لا مجرد رفوف تحمل الكتب.

أحدث المشاركات.. معرض بغداد الدولي للكتاب
تسجل العتبة العباسية المقدسة أحدث مشاركة لها في الدورة السابعة والعشرين من معرض بغداد الدولي للكتاب بجناح موحد يقدم صورة متكاملة عن منجزها الفكري والثقافي والعلمي، إلى جانب نتاج أقسامها ومؤسساتها ومراكزها المتخصصة.
وتأتي المشاركة ضمن حضور ثقافي يهدف إلى إيصال الإصدارات إلى جمهور واسع من القراء والباحثين والمهتمين، والتعريف بالمشاريع العلمية والمعرفية التي تضطلع بها العتبة المقدسة.
ويضم الجناح أكثر من 780 إصدارا تتنوع بين الموسوعات والكتب الدينية والعقائدية والفكرية والثقافية والعلمية، فضلا عن المجلات والدوريات العلمية المحكمة.
وتتوزع المشاركة بين عدد من تشكيلات العتبة المقدسة، من بينها قسم الشؤون الفكرية والثقافية، وقسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية، والمجمع العلمي للقرآن الكريم، والهيأة العليا لإحياء التراث، ومؤسسة الوافي للتوثيق والدراسات، إلى جانب مجموعة العميد التربوية.
ويكشف هذا التنوع عن اتساع المشاريع البحثية والتأليفية والتحقيقية التي تعمل عليها مؤسسات العتبة المقدسة، كما يمنح الجناح مساحة معرفية تستجيب لاختلاف اهتمامات زائري المعرض.

جناح العتبة المقدسة مشروعا معرفيا
يتعزز حضور العتبة العباسية المقدسة في معرض بغداد الدولي للكتاب بتنوع النتاجات التي تقدمها أقسامها ومراكزها؛ إذ يعرض قسم الشؤون الفكرية والثقافية أكثر من 480 إصدارا في مجالات الفكر والأدب والثقافة والدين، فيما يشارك قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية بأكثر من 70 إصدارا تتناول موضوعات في التراث الإسلامي والإنساني والتأريخ والفقه واللغة.
وتتضمن المشاركة كذلك نتاجات مركز تراث الجنوب، التي تؤكد على إحياء تراث مدن جنوب العراق وتوثيق سير علمائها، عن طريق مؤلفات وتحقيقات علمية تعرف بالهوية العلمية والأدبية للجنوب وتقرب مادته التراثية من القراء والباحثين.
وفي الجانب التربوي، تقدم مجموعة العميد التربوية أدلة متخصصة للمعلمين، وبرامج رقمية تتناول التخطيط والتقويم والإرشاد التربوي، إلى جانب إصدارات في القراءات الإثرائية وأدلة التعلم ومعايير التمكن المهني ووثائق المدى والتتابع والترجمات العلمية.
وهكذا لا يختزل الجناح في عدد الكتب المعروضة؛ فكل إصدار يحمل جزءا من مشروع علمي أو ثقافي أو تربوي، ويمنح المعرض فرصة لوضع هذه المشاريع أمام جمهورها المباشر.

المشاركات تمنح جمهورا ومعرفة
لا تذهب العتبة العباسية المقدسة إلى المعارض الثقافية دوما بوصفها جهة تعرض نتاجاتها فقط؛ فالمعرض نفسه يمثل مساحة للاطلاع على تجارب الآخرين، ومتابعة الإنتاج الجديد، واقتناء المصادر، وبناء المعرفة المتخصصة.
ويظهر ذلك في متابعة قسم متحف الكفيل للنفائس والمخطوطات لمعرض بغداد الدولي للكتاب بهدف اقتناء مصادر متخصصة في علوم المتاحف والآثار ورفد المكتبة المتحفية بالمراجع.
وهنا تظهر وظيفة أخرى للمشاركة في المعرض، فالمؤسسة تعرض ما لديها؛ لكنها في الوقت نفسه تتعلم مما لدى الآخرين؛ وهذا يجعل المشاركة جزءا من عملية تطوير المؤسسة، وليس مجرد نشاط إعلامي أو تسويقي.

من بغداد إلى طهران
لا تتوقف المشاركة الثقافية عند المعارض المحلية؛ فقد انتقلت العتبة العباسية المقدسة إلى فضاء المشاركة في المعارض الدولية، ومن بينها معرض طهران الدولي للكتاب، إذ أخذ الحضور طابعا تعريفيا وثقافيا يتوجه إلى الجمهور خارج العراق.
ومع تغير الجمهور، تطورت أدوات العرض نفسها؛ فالكتاب لم يكن الوسيلة الوحيدة، بل حضرت الصورة والخريطة والمطويات والمواد متعددة اللغات والأدوات الرقمية.
وقدمت مشاركات سابقة مواد تعرف بمشاريع العتبة المقدسة، إلى جانب عرض الموقع الإلكتروني والخدمات الرقمية وتجارب الزيارة بالإنابة عبر الإنترنت.
وهنا لا يتعلق الأمر بتوسيع جغرافية الحضور فقط، بل بتطوير طريقة تقديم التجربة بما يتناسب مع طبيعة الجمهور الجديد.

من طهران إلى سوسة
اتسع مسار مشاركات العتبة العباسية المقدسة الثقافية إلى فضاء عربي آخر عن طريق معرض سوسة الدولي للكتاب في تونس، عبر مشاركة جمعية العميد العلمية والفكرية.
وضم الجناح أكثر من 450 عنوانا في الفكر والثقافة والفلسفة والعقائد وعلم الكلام والتفسير واللغة والتأريخ والاستراتيجيات المعرفية الأبستمولوجية، وعلم الاجتماع، إلى جانب المجلات المحكمة وإصدارات الأطفال.
وهنا تتجاوز المشاركة وظيفة التعريف بالمؤسسة إلى إيصال الكتاب والفكر العراقي إلى جمهور عربي خارج العراق، وفتح مساحة جديدة أمام النتاج المعرفي ليجد قارئا مختلفا وبيئة ثقافية أخرى.

لماذا تتوسع مشاركة العتبة المقدسة في المعارض؟
لا يرتبط اتساع مشاركات العتبة العباسية المقدسة بمجرد زيادة عدد الفعاليات التي تحضرها، وإنما يرتبط باتساع مجالات العمل وتنوع النتاج والجمهور الذي يمكن أن تصل إليه هذه النتاجات.
فالمنتج الغذائي أو الزراعي يحتاج إلى مساحة تلتقي فيها المؤسسة بالمستهلك والمزارع والشركات العاملة في القطاع، فيما تحتاج المنتجات الإنشائية والهندسية إلى بيئة تجمع المهندسين والمقاولين والمؤسسات والشركات المتخصصة، أما الخدمات والحلول التقنية والطبية، فتحتاج إلى منصات تتيح الوصول إلى المختصين والجهات التي يمكن أن تستفيد منها.
في المقابل، للكتاب والدراسة والموسوعة والنتاج الثقافي والمعرفي جمهور مختلف؛ من قارئ وباحث وأكاديمي ومؤسسة ثقافية ودار نشر؛ لذلك لا يؤدي معرض الكتاب الوظيفة نفسها التي يؤديها المعرض الصناعي أو الزراعي.
وتضيف المشاركة الخارجية بعدا آخر؛ فهي تفتح المجال أمام النتاج العراقي للتعريف بنفسه خارج السوق المحلي، وتتيح التواصل مع جمهور ومؤسسات وتجارب مختلفة.
من هنا، لا يبدو تعدد المشاركات تكرارا للحضور في أماكن متعددة، بل استجابة طبيعية لتعدد النتاج والجمهور والغاية، فلكل معرض جمهوره، ولكل جمهور ما يناسبه من النتاج، ولكل مشاركة ما يمكن أن تضيفه إلى المؤسسة.

ماذا يبقى بعد انتهاء المعرض؟
إذا كان تنوع النتاج يفسر تنوع المشاركات، وكانت المشاركة تتحول في بعض المعارض إلى مساحة للتواصل وبناء العلاقات، فإن القيمة الأوسع للمشاركة تظهر فيما يمكن أن يستمر بعد مغادرة الزائرين وانتهاء أيام المعرض.
في المجال الاقتصادي، قد تكون النتيجة علاقة تجارية أو فرصة تعاون أو ملاحظة تقود إلى تطوير منتج، وفي المجال الثقافي، قد يصل كتاب إلى قارئ جديد، أو يجد باحث مصدرا يحتاج إليه، أو تتعرف مؤسسةٌ مشروعاً علمياً يمكن أن يفتح مجالا للتعاون.
أما في المشاركات الدولية، فقد تكون النتيجة أوسع من ذلك؛ إذ يمكن أن تسهم المشاركة في التعريف بجانب من التجربة العراقية، وفتح قنوات تواصل مع مؤسسات وجمهور خارج العراق، إلى جانب ما توفره هذه المشاركات من فرصة للاطلاع على تجارب الآخرين وأساليب العمل والمنتجات والتقنيات الجديدة.
لهذا، لا تقاس قيمة المشاركة بعدد الزائرين أو حجم الجناح أو عدد المنتجات والكتب المعروضة وحدها، بل بما يمكن أن يبقى منها بعد انتهاء المعرض: معرفة جديدة، وعلاقة جديدة، وملاحظة قابلة للتطوير، وفرصة للتعاون، أو وصول النتاج إلى جمهور لم يكن يصل إليه من قبل.

خلاصة القول
تكشف مسيرة مشاركات العتبة العباسية المقدسة في المعارض عن أن الحضور الذي يبدو اليوم متنوعا وواسعا لم يتشكل دفعة واحدة، بل جاء مع اتساع مجالات العمل وتنوع النتاج وتعدد الجمهور.
ففي مساحة واحدة يمكن أن تتجاور الصناعة والزراعة والخدمات مع الكتاب والثقافة والمعرفة، ويمكن للتجربة المحلية أن تلتقي بالسوق العراقي، ثم تعبر إلى فضاءات عربية ودولية.
ومن معرض إلى آخر، تتغير طبيعة ما يقدم تبعا للمكان والجمهور، لكن الثابت هو انتقال النتاج من فضاء المؤسسة إلى فضاء أوسع؛ حيث يصبح أمام من يمكن أن يقرأه أو يستخدمه أو يتفاعل معه أو يبني عليه.
المعرض، في النهاية، ليس سوى لحظة عبور؛ يعبر فيها المنتج إلى سوقه، والكتاب إلى قارئه، والتجربة المحلية إلى فضاء أوسع، وما يحدد قيمة هذه المشاركة ليس ما يراه الزائر داخل الجناح فحسب، بل ما يبقى بعد مغادرته، فمن العرض يبدأ الطريق، أما الأثر، فيتحدد بما يحدث بعده.
وفي كل مشاركة في معرض، يذهب جزء مختلف من هذا النتاج إلى جمهوره؛ ففي المعارض الاقتصادية والإنتاجية تخرج القدرات الصناعية والزراعية والخدمية إلى السوق، وفي المعارض الثقافية يصل النتاج الثقافي إلى القارئ والباحث، فيما تفتح المشاركات الخارجية نافذة أمام النتاج العراقي للوصول إلى فضاءات عربية ودولية.
ومن هنا، ارتبطت مشاركات العتبة المقدسة بالتعريف بنتاجاتها، والتواصل مع محيطها، ومواكبة الحراك الثقافي والعلمي، والاطلاع على تجارب المشاركين الآخرين، ومع تنوع هذه المشاركات واتساعها، تحول المعرض تدريجيا من مساحة لعرض ما أُنجز إلى نقطة لقاء بين النتاج والجمهور، وبين المؤسسة والسوق، وبين التجربة المحلية والفضاءات الأوسع.
2024 من خمسة تشكيلات إلى منظومة أوسع
شاركت العتبة العباسية المقدسة خلال السنوات الماضية في كثيرٍ من المعارض المحلية والدولية، وتنوعت تشكيلاتها المشاركة فيها ونتاجاتها وصولا الى عام 2024، عندما شاركت في الدورة السابعة والأربعين من معرض بغداد الدولي عن طريق خمسة تشكيلات رئيسة: شركة خير الجود لتكنولوجيا الصناعة والزراعة الحديثة، وشركة نور الكفيل للمنتجات الحيوانية والغذائية، وشركة الكفيل للاستثمارات العامة، وقسم المشاريع الهندسية، ومركز الكفيل للإعلان والتسويق.
وقدمت هذه الجهات منتجات حيوانية وغذائية وإنشائية وإعلانية، في مشاركة وصفتها الشركة العامة للمعارض والخدمات التجارية بأنها متميزة من حيث تنوع المواد المعروضة.
ولم يقتصر حضور قسم المشاريع الهندسية على منتج واحد؛ إذ قدمت شعبة الصناعات الإنشائية مواد أولية مثل الجلمود والبحص والركام الناعم والخشن والحصى الخابط، إلى جانب البلوك وبلاطات الأرصفة والمقرنص، ومنها المقرنص المزجج، في مشاركة ارتبطت بتشجيع المنتج المحلي واليد العاملة الوطنية.
وفي هذه المرحلة، كان المعرض يكشف بصورة واضحة عن اتساع القدرات الإنتاجية داخل العتبة المقدسة، ويقدم المنتج المحلي بوصفه جزءا من النشاط الاقتصادي، لا مجرد نتاج يعرض أمام الجمهور.
2025.. المشاركة أكثر ارتباطا بالسوق
في الدورة الثامنة والأربعين من معرض بغداد الدولي عام 2025، استمرت المشاركة عن طريق شركات خير الجود، ونور الكفيل، وشركة الكفيل للاستثمارات العامة، وقسم المشاريع الهندسية، لكن أهداف الحضور بدت أكثر ارتباطا بالسوق.
فشركة خير الجود ربطت مشاركتها بتأكيد وجودها في السوق العراقي، وترسيخ العلاقات التجارية والاقتصادية مع الشركات الأخرى، وتعزيز التعاون مع العملاء داخل العراق وخارجه، وعرضت منتجات الأسمدة الزراعية والمبيدات الحيوية والمعقمات والمنظفات والأسمدة المتخصصة.
أما نور الكفيل، فعرضت اللحوم الحمراء والبيضاء والألبان والمواد الجافة والمأكولات الجاهزة والبهارات، في حين قدمت شركة الكفيل للاستثمارات العامة منتجات غذائية وزراعية وحلولا للطاقة الشمسية، شملت الألواح والبطاريات والانفيرترات والخلايا الشمسية، إلى جانب منتجات مياه الكفيل وتمور الكفيل ومشروع الكفيل لحلول الطاقة.
وعرض قسم المشاريع الهندسية أكثر من 32 نوعا من منتجات الصناعات الإنشائية.
هنا لم يعد حضور المعرض مرتبطا بعرض المنتج وحده؛ فالشركة تجد نفسها أمام منافسين وعملاء وشركاء محتملين، وتستمع إلى الملاحظات، وتتعرف إلى احتياجات السوق، وتختبر حضور منتجاتها خارج إطار المؤسسة.
وبذلك، بدأ المعرض يؤدي وظيفة تتجاوز التعريف بالمنتج إلى بناء علاقة مباشرة مع السوق.
2026.. اتساع صورة المشاركة
في الدورة التاسعة والأربعين عام 2026، اتسعت المشاركة لتضم شركات الكفيل للصناعات الغذائية، ونور الكفيل، وخير الجود، وقسم المشاريع الهندسية، ومستشفى الكفيل التخصصي، ليمتد المعروض من المنتجات الصناعية والزراعية والإنشائية إلى الخدمات الصحية.
وهذا التنوع يقدم صورة مختلفة عن المشاركة؛ فالجناح لم يعد يمثل منتجا أو نشاطا منفردا، وإنما يختصر جانبا من منظومة إنتاج وخدمات متعددة المجالات.
وبذلك يظهر مسار السنوات الثلاث بوضوح: بدأت المشاركة بعرض مجموعة متنوعة من النتاجات، ثم ازدادت صلتها بالسوق والعلاقات التجارية، وصولا إلى صورة أوسع تجمع بين المنتجات والخدمات، ومع اتساع مجالات العمل، أصبح من الطبيعي أن تتسع معه المنصات التي تحضر فيها العتبة المقدسة.
من عرض المنتج إلى بناء العلاقات
اتساع مشاركات العتبة العباسية المقدسة في المعارض لا يفسر وحده ما يحدث داخل المعارض؛ فالقيمة الفعلية تظهر في الطريقة التي يتحول بها الجناح من مساحة لعرض المنتجات إلى نقطة تواصل مع السوق والمختصين والشركاء المحتملين.
ويظهر ذلك بوضوح في المشاركات الاقتصادية والإنتاجية؛ ففي أسبوع الزراعة العراقي، مثلا، لم يكن حضور شركة خير الجود مقتصرا على عرض منتجاتها؛ بل ارتبط بعرض نشاطها في مجال الإنتاج الحيواني والنباتي، والتعريف بمنتجاتها المسجلة، إلى جانب ما تعمل عليه من منتجات أخرى، بما يتيح لها الوصول المباشر إلى العاملين في القطاع الزراعي والجهات المرتبطة به.
والأمر نفسه يظهر بمشاركة مطبعة القمر في معرض الصناعات الغذائية والتغليف؛ إذ لم يكن حضورها منفصلا عن طبيعة عملها، بل قدمت عن طريق الجناح حلولا متكاملة في مجال الطباعة والملصقات والتغليف، بدءًا من الاستشارة والتصميم وصولا إلى التنفيذ.
وهنا يصبح الجناح المشارك وسيلة للتعريف بالإمكانات، والتواصل مع الشركات، والتعرف إلى احتياجاتها، وبناء علاقات يمكن أن تستمر بعد انتهاء المعرض.
هذه الصورة تكشف جانبا لا يظهر دوما في المشهد الأول للمعرض؛ فالزائر يرى المنتجات والخدمات المعروضة، لكن خلف هذا العرض عملية أخرى تجري في الوقت نفسه: أسئلة يطرحها الزائرون، وملاحظ تصل إلى المنتجين، واحتياجات تظهر عن طريق النقاش، وفرص للتعاون تنشأ من اللقاء المباشر.
وبذلك، فالمشاركة لا تنتهي عند لحظة مشاهدة المنتج؛ فالمعرض يمنح المنتج فرصة لاختباره أمام جمهوره، ويمنح المؤسسة فرصة لترى ما يدور في السوق بدلا من الاكتفاء بالحديث عنه.
من الميدان الاقتصادي الى الثقافي.. وجه آخر للمشاركة
إذا كانت المعارض الاقتصادية والإنتاجية قد كشفت عن جانب من قدرات العتبة العباسية المقدسة في مجالات الصناعة والزراعة والخدمات، فإن المشاركة لا تقف عند حدود المنتج المادي؛ فهناك مسار آخر يمتد إلى النتاج الفكري والثقافي والعلمي.
فإلى جانب الشركات والأقسام التي تحمل منتجاتها إلى المعارض، تحضر المؤسسات المعرفية والثقافية بما تنتجه من كتب ودراسات وموسوعات ومجلات وتحقيقات، لتلتقي بجمهور مختلف؛ من القارئ والباحث والطالب إلى الأكاديمي والمهتم بالشأن الثقافي والتراثي.
وهنا تتغير طبيعة العلاقة مع المعرض، ففي حين تتيح المعارض الاقتصادية فرصة للتعريف بالمنتج والتواصل مع السوق، تمنح المعارض الثقافية مساحة للوصول إلى القارئ، وتقديم المشاريع العلمية والمعرفية، والتعريف بما تنتجه المؤسسات المتخصصة في مجالات الفكر والتراث والدراسات.
ومن هذا الباب، يصبح الجناح الثقافي صورة مصغرة عن المشروع المعرفي للعتبة المقدسة، لا مجرد رفوف تحمل الكتب.
أحدث المشاركات.. معرض بغداد الدولي للكتاب
تسجل العتبة العباسية المقدسة أحدث مشاركة لها في الدورة السابعة والعشرين من معرض بغداد الدولي للكتاب بجناح موحد يقدم صورة متكاملة عن منجزها الفكري والثقافي والعلمي، إلى جانب نتاج أقسامها ومؤسساتها ومراكزها المتخصصة.
وتأتي المشاركة ضمن حضور ثقافي يهدف إلى إيصال الإصدارات إلى جمهور واسع من القراء والباحثين والمهتمين، والتعريف بالمشاريع العلمية والمعرفية التي تضطلع بها العتبة المقدسة.
ويضم الجناح أكثر من 780 إصدارا تتنوع بين الموسوعات والكتب الدينية والعقائدية والفكرية والثقافية والعلمية، فضلا عن المجلات والدوريات العلمية المحكمة.
وتتوزع المشاركة بين عدد من تشكيلات العتبة المقدسة، من بينها قسم الشؤون الفكرية والثقافية، وقسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية، والمجمع العلمي للقرآن الكريم، والهيأة العليا لإحياء التراث، ومؤسسة الوافي للتوثيق والدراسات، إلى جانب مجموعة العميد التربوية.
ويكشف هذا التنوع عن اتساع المشاريع البحثية والتأليفية والتحقيقية التي تعمل عليها مؤسسات العتبة المقدسة، كما يمنح الجناح مساحة معرفية تستجيب لاختلاف اهتمامات زائري المعرض.
جناح العتبة المقدسة مشروعا معرفيا
يتعزز حضور العتبة العباسية المقدسة في معرض بغداد الدولي للكتاب بتنوع النتاجات التي تقدمها أقسامها ومراكزها؛ إذ يعرض قسم الشؤون الفكرية والثقافية أكثر من 480 إصدارا في مجالات الفكر والأدب والثقافة والدين، فيما يشارك قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية بأكثر من 70 إصدارا تتناول موضوعات في التراث الإسلامي والإنساني والتأريخ والفقه واللغة.
وتتضمن المشاركة كذلك نتاجات مركز تراث الجنوب، التي تؤكد على إحياء تراث مدن جنوب العراق وتوثيق سير علمائها، عن طريق مؤلفات وتحقيقات علمية تعرف بالهوية العلمية والأدبية للجنوب وتقرب مادته التراثية من القراء والباحثين.
وفي الجانب التربوي، تقدم مجموعة العميد التربوية أدلة متخصصة للمعلمين، وبرامج رقمية تتناول التخطيط والتقويم والإرشاد التربوي، إلى جانب إصدارات في القراءات الإثرائية وأدلة التعلم ومعايير التمكن المهني ووثائق المدى والتتابع والترجمات العلمية.
وهكذا لا يختزل الجناح في عدد الكتب المعروضة؛ فكل إصدار يحمل جزءا من مشروع علمي أو ثقافي أو تربوي، ويمنح المعرض فرصة لوضع هذه المشاريع أمام جمهورها المباشر.
المشاركات تمنح جمهورا ومعرفة
لا تذهب العتبة العباسية المقدسة إلى المعارض الثقافية دوما بوصفها جهة تعرض نتاجاتها فقط؛ فالمعرض نفسه يمثل مساحة للاطلاع على تجارب الآخرين، ومتابعة الإنتاج الجديد، واقتناء المصادر، وبناء المعرفة المتخصصة.
ويظهر ذلك في متابعة قسم متحف الكفيل للنفائس والمخطوطات لمعرض بغداد الدولي للكتاب بهدف اقتناء مصادر متخصصة في علوم المتاحف والآثار ورفد المكتبة المتحفية بالمراجع.
وهنا تظهر وظيفة أخرى للمشاركة في المعرض، فالمؤسسة تعرض ما لديها؛ لكنها في الوقت نفسه تتعلم مما لدى الآخرين؛ وهذا يجعل المشاركة جزءا من عملية تطوير المؤسسة، وليس مجرد نشاط إعلامي أو تسويقي.
من بغداد إلى طهران
لا تتوقف المشاركة الثقافية عند المعارض المحلية؛ فقد انتقلت العتبة العباسية المقدسة إلى فضاء المشاركة في المعارض الدولية، ومن بينها معرض طهران الدولي للكتاب، إذ أخذ الحضور طابعا تعريفيا وثقافيا يتوجه إلى الجمهور خارج العراق.
ومع تغير الجمهور، تطورت أدوات العرض نفسها؛ فالكتاب لم يكن الوسيلة الوحيدة، بل حضرت الصورة والخريطة والمطويات والمواد متعددة اللغات والأدوات الرقمية.
وقدمت مشاركات سابقة مواد تعرف بمشاريع العتبة المقدسة، إلى جانب عرض الموقع الإلكتروني والخدمات الرقمية وتجارب الزيارة بالإنابة عبر الإنترنت.
وهنا لا يتعلق الأمر بتوسيع جغرافية الحضور فقط، بل بتطوير طريقة تقديم التجربة بما يتناسب مع طبيعة الجمهور الجديد.
من طهران إلى سوسة
اتسع مسار مشاركات العتبة العباسية المقدسة الثقافية إلى فضاء عربي آخر عن طريق معرض سوسة الدولي للكتاب في تونس، عبر مشاركة جمعية العميد العلمية والفكرية.
وضم الجناح أكثر من 450 عنوانا في الفكر والثقافة والفلسفة والعقائد وعلم الكلام والتفسير واللغة والتأريخ والاستراتيجيات المعرفية الأبستمولوجية، وعلم الاجتماع، إلى جانب المجلات المحكمة وإصدارات الأطفال.
وهنا تتجاوز المشاركة وظيفة التعريف بالمؤسسة إلى إيصال الكتاب والفكر العراقي إلى جمهور عربي خارج العراق، وفتح مساحة جديدة أمام النتاج المعرفي ليجد قارئا مختلفا وبيئة ثقافية أخرى.
لماذا تتوسع مشاركة العتبة المقدسة في المعارض؟
لا يرتبط اتساع مشاركات العتبة العباسية المقدسة بمجرد زيادة عدد الفعاليات التي تحضرها، وإنما يرتبط باتساع مجالات العمل وتنوع النتاج والجمهور الذي يمكن أن تصل إليه هذه النتاجات.
فالمنتج الغذائي أو الزراعي يحتاج إلى مساحة تلتقي فيها المؤسسة بالمستهلك والمزارع والشركات العاملة في القطاع، فيما تحتاج المنتجات الإنشائية والهندسية إلى بيئة تجمع المهندسين والمقاولين والمؤسسات والشركات المتخصصة، أما الخدمات والحلول التقنية والطبية، فتحتاج إلى منصات تتيح الوصول إلى المختصين والجهات التي يمكن أن تستفيد منها.
في المقابل، للكتاب والدراسة والموسوعة والنتاج الثقافي والمعرفي جمهور مختلف؛ من قارئ وباحث وأكاديمي ومؤسسة ثقافية ودار نشر؛ لذلك لا يؤدي معرض الكتاب الوظيفة نفسها التي يؤديها المعرض الصناعي أو الزراعي.
وتضيف المشاركة الخارجية بعدا آخر؛ فهي تفتح المجال أمام النتاج العراقي للتعريف بنفسه خارج السوق المحلي، وتتيح التواصل مع جمهور ومؤسسات وتجارب مختلفة.
من هنا، لا يبدو تعدد المشاركات تكرارا للحضور في أماكن متعددة، بل استجابة طبيعية لتعدد النتاج والجمهور والغاية، فلكل معرض جمهوره، ولكل جمهور ما يناسبه من النتاج، ولكل مشاركة ما يمكن أن تضيفه إلى المؤسسة.
ماذا يبقى بعد انتهاء المعرض؟
إذا كان تنوع النتاج يفسر تنوع المشاركات، وكانت المشاركة تتحول في بعض المعارض إلى مساحة للتواصل وبناء العلاقات، فإن القيمة الأوسع للمشاركة تظهر فيما يمكن أن يستمر بعد مغادرة الزائرين وانتهاء أيام المعرض.
في المجال الاقتصادي، قد تكون النتيجة علاقة تجارية أو فرصة تعاون أو ملاحظة تقود إلى تطوير منتج، وفي المجال الثقافي، قد يصل كتاب إلى قارئ جديد، أو يجد باحث مصدرا يحتاج إليه، أو تتعرف مؤسسةٌ مشروعاً علمياً يمكن أن يفتح مجالا للتعاون.
أما في المشاركات الدولية، فقد تكون النتيجة أوسع من ذلك؛ إذ يمكن أن تسهم المشاركة في التعريف بجانب من التجربة العراقية، وفتح قنوات تواصل مع مؤسسات وجمهور خارج العراق، إلى جانب ما توفره هذه المشاركات من فرصة للاطلاع على تجارب الآخرين وأساليب العمل والمنتجات والتقنيات الجديدة.
لهذا، لا تقاس قيمة المشاركة بعدد الزائرين أو حجم الجناح أو عدد المنتجات والكتب المعروضة وحدها، بل بما يمكن أن يبقى منها بعد انتهاء المعرض: معرفة جديدة، وعلاقة جديدة، وملاحظة قابلة للتطوير، وفرصة للتعاون، أو وصول النتاج إلى جمهور لم يكن يصل إليه من قبل.
خلاصة القول
تكشف مسيرة مشاركات العتبة العباسية المقدسة في المعارض عن أن الحضور الذي يبدو اليوم متنوعا وواسعا لم يتشكل دفعة واحدة، بل جاء مع اتساع مجالات العمل وتنوع النتاج وتعدد الجمهور.
ففي مساحة واحدة يمكن أن تتجاور الصناعة والزراعة والخدمات مع الكتاب والثقافة والمعرفة، ويمكن للتجربة المحلية أن تلتقي بالسوق العراقي، ثم تعبر إلى فضاءات عربية ودولية.
ومن معرض إلى آخر، تتغير طبيعة ما يقدم تبعا للمكان والجمهور، لكن الثابت هو انتقال النتاج من فضاء المؤسسة إلى فضاء أوسع؛ حيث يصبح أمام من يمكن أن يقرأه أو يستخدمه أو يتفاعل معه أو يبني عليه.
المعرض، في النهاية، ليس سوى لحظة عبور؛ يعبر فيها المنتج إلى سوقه، والكتاب إلى قارئه، والتجربة المحلية إلى فضاء أوسع، وما يحدد قيمة هذه المشاركة ليس ما يراه الزائر داخل الجناح فحسب، بل ما يبقى بعد مغادرته، فمن العرض يبدأ الطريق، أما الأثر، فيتحدد بما يحدث بعده.
تعليقات القراء
لا توجد تعليقات بعد
أضف تعليقك