alkafeelGlobal alkafeelGlobal

عمَّ تبحث العتبة العباسية في السيرة النبوية : تنقية الموروث أم صناعة الوعي ؟

عمَّ تبحث العتبة العباسية في السيرة النبوية : تنقية الموروث أم صناعة الوعي ؟
لا تقف جهود العتبة العباسية المقدسة عند حدود استذكار السيرة النبوية الشريفة ؛ بل تتجاوزها إلى مشروع فكري وحضاري متكامل، يسعى إلى إعادة قراءة الموروث التأريخي المرتبط بحياة الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتمييز ما فيه من الروايات والمعارف، وإبراز ما تزخر به سيرته المباركة من قيم إنسانية ومبادئ أخلاقية قادرة على ملامسة أسئلة الإنسان والمجتمع في العصر الحديث.

وانطلاقاً من هذا المنهج، عملت العتبة العباسية المقدسة على بناء منظومة مؤسساتية وعلمية تتولى العناية بالسيرة النبوية، وتقديمها بأساليب معرفية وثقافية تتناسب مع حاجات الأجيال المعاصرة، بما يحول السيرة من مادة تأريخية تُروى إلى منظومة قيم حيّة يمكن استلهامها في بناء الإنسان وترسيخ مفاهيم العدالة والتسامح والمسؤولية والرحمة.

ويتجلى هذا المشروع عبر مسارات متعددة، تتكامل فيها المعرفة مع الثقافة والإبداع، عن طريق تنظيم المؤتمرات والملتقيات العلمية، وإقامة المهرجانات والفعاليات الثقافية، فضلا عن إطلاق المسابقات المحلية والدولية التي تفتح المجال أمام الباحثين والمفكرين والمبدعين لتقديم رؤى ودراسات تسهم في إثراء البحث في السيرة النبوية وإعادة تقديمها بلغة معرفية معاصرة.

وبهذا الحراك المتنوع، ترسم العتبة العباسية المقدسة مسارًا يتجاوز حدود الفعالية الثقافية العابرة، نحو تأسيس خطاب معرفي متجدد يجعل من السيرة النبوية مصدرًا للإلهام الحضاري، وفضاءً رحبًا لاستعادة القيم التي أسس لها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وربطها بحاجات الإنسان اليوم وتحديات المجتمع المعاصر.

وهذا الجهد ما هو إلا محاولة لفتح نوافذ جديدة على السيرة الشريفة؛ لا بوصفها صفحات من الماضي فحسب، وإنما بوصفها تجربة إنسانية متجددة، تحمل في مضامينها ما يعين الأجيال على قراءة حاضرها وبناء مستقبلها على أسس من الأخلاق والمعرفة والوعي.



صياغة السيرة القرآنية

قال سماحة العلامة السيد أحمد الصافي بكلمة له في حفل افتتاح مؤتمر السيرة النبوية الشريفة العلمي الدولي الأول الذي أقامته دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في العتبة العباسية المقدسةعام 2018 .

" هناك تفاوتٌ كبير ما بين النبيّ في القرآن وما بين النبيّ في سيرة مَنْ كتب عنه، لكن الذي نحتاجه اليوم هو أنّنا نحتاج إلى النبيّ قرآنيّاً، ندرس ونبحث سيرته من خلال القرآن الكريم".

وفي الكلمة نفسها أوضح السيد الصافي المنهج الذي ينبغي أن تقوم عليه إعادة قراءة السيرة، قائلاً:" لما نأتي إلى السيرة النبوية لا بدّ أن نحاكم السيرة بالقرآن وليس العكس".

وزاد في حديثه عن بيان الغاية من تأسيس الدار:" فعندما أُسّس هذا المركز المبارك كان هدفه الجواب عن السؤال الذي تقدّم، وأن يأخذ على عاتقه إيجاد إجابات وافية عن أسئلة كثيرة تتعلّق بشخص النبي (ص) ".

و دعا إلى بناء قراءة متكاملة لحياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ فقال:" لذا ندعو إلى البحث في حياة النبي (ص) على أن تكون لثلاث مراحل، وهي: قبل الولادة الشريفة وخلال حياته الشريفة وبعد وفاته".

وفي ختام كلمته، وجّه دعوة واضحة إلى الباحثين والأكاديميين للعمل على صياغة «سيرة قرآنية» للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ؛ لتكون مرجعاً يُقاس عليه ما ورد في كتب السيرة الأخرى.



لماذا السيرة النبوية؟

لماذا تهتم العتبة العباسية المقدسة بالسيرة النبوية الشريفة؟ سؤالٌ يقود إلى جوهر المشروع الذي تبنته العتبة عبر مؤسساتها ومراكزها المتخصصة، وفي مقدمتها دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم).

فالمسألة، في جوهرها، لا تتعلق بإحياء ذكرى تأريخية أو استعادة أحداث مضت، وإنما بمحاولة علمية لإعادة قراءة حياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، والاقتراب من صورته كما يقدمها القرآن الكريم والروايات المعتبرة، واستجلاء ما تحمله سيرته من قيم إنسانية وأخلاقية وفكرية.

وتنطلق هذه الرؤية من إدراك راسخ يبين أن ما وصل إلى القارئ من الموروث السيري تشكل عبر قراءات وروايات متعددة، تفاوتت في مصادرها ومناهجها ودرجة دقتها؛ الأمر الذي يجعل دراسة السيرة ومراجعة مروياتها ضرورة معرفية، ولا سيما في ظل ما أثير حول شخصية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من شبهات وقراءات متباينة.

ومن هذه الرؤية برزت الحاجة إلى مشروع علمي يتولى البحث والتحقيق والمقارنة، وصولًا إلى صورة أكثر دقة واتزانًا لشخصية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).

ولم تتوقف الفكرة عند حدود التشخيص ؛ بل تحولت إلى عمل مؤسساتي عن طريق تأسيس دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، التي أخذت على عاتقها دراسة السيرة النبوية وإعادة قراءتها، وتشجيع الباحثين على تناول قضاياها، وإقامة المؤتمرات والندوات والمسابقات، فضلاً عن إصدار الكتب والدراسات المتخصصة.

وهكذا أصبح التعامل مع السيرة قائمًا على أكثر من مسار: بحثٌ في المصادر، وتحقيقٌ للمرويات، ودراسةٌ أكاديمية، ومناقشةٌ للشبهات، ونشرٌ للنتاج العلمي، بما يهدف إلى بناء معرفة تراكمية قادرة على خدمة الباحث والقارئ معاً.

ولا تنحصر أهمية المشروع في الجانب التأريخي؛ فالسيرة النبوية، بما تتضمنه من مواقف وتجارب وقيم، تقدم نموذجاً إنسانياً وأخلاقياً يمكن استلهامه في قراءة قضايا الحاضر.

فالرحمة والعدل والتسامح والمسؤولية والتربية وحسن إدارة العلاقات ليست مجرد مفاهيم ارتبطت بزمن الرسالة، وإنما هي قيم تتصل بجوهر الحياة الإنسانية، ويمكن إعادة قراءتها في ضوء التحديات الفكرية والاجتماعية التي يعيشها الإنسان المعاصر.

ومن هنا، يصبح إحياء السيرة عملية تتجاوز استحضار الماضي إلى استعادة القيم التي يمكن أن تسهم في بناء الإنسان والمجتمع.

فلماذا الاهتمام بالسيرة؟ لأن صورة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ليست تفصيلاً تأريخيًا عابرًا ؛ بل تمثل جزءاً رئيسًا من الوعي الديني والثقافي للأمة ، وكلما كانت هذه الصورة أقرب إلى المصادر المعتبرة وأكثر تحصينًا بالبحث والتحقيق، كان حضورها أكثر قدرة على مواجهة التشويه وسوء الفهم والقراءات المجتزأة.

ولهذا تتجه العتبة العباسية المقدسة إلى بناء مشروع لا يكتفي بتقديم السيرة، وإنما يعمل على إنتاج المعرفة حولها؛ فالمؤتمر يفتح باب البحث، والندوة تثير السؤال، والمسابقة تدعم الباحث، والكتاب يوثق النتيجة، والمجلة تواصل النقاش، والجامعة تفتح المجال أمام جيل جديد من الدارسين.

وفي النهاية هذا التنوع ما هو إلا محاولة للانتقال من السيرة بوصفها موروثًا محفوظًا إلى السيرة بوصفها معرفةً حية؛ معرفة تُبحث وتُراجع وتُناقش، ثم تتحول إلى وعي وقيم يمكن أن تمتد من صفحات التأريخ إلى حياة الإنسان المعاصر.

وبذلك ؛ فإن العناية بالسيرة النبوية في مشروع العتبة العباسية ليست عودة إلى الماضي من أجل الماضي، وإنما عودة إلى الجذور بحثًا عن القيم والمعاني التي يمكن أن تمنح الحاضر مزيدًا من الوعي، وتبقي شخصية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حاضرةً بوصفها نموذجًا إنسانيًا وأخلاقيًا وحضاريًا متجددًا.



من المبادرة إلى المؤسسة

لم تتعامل العتبة العباسية المقدسة مع إحياء السيرة النبوية الشريفة بوصفه نشاطاً موسمياً أو فعاليةً عابرة، بل اتجهت إلى بناء مشروع مؤسساتي تتكامل فيه أدوات البحث والتحقيق والتوثيق، عبر تأسيس كيانات علمية متخصصة تتفرغ لدراسة سيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، واستجلاء معالمها على وفق منهج علمي رصين، يجعل من المعرفة أساساً لحفظ الموروث النبوي وتقديمه للأجيال بعيداً عن الروايات المضطربة والتحريفات التأريخية.

ويكشف هذا التوجه عن إدراك أهمية الانتقال من استذكار السيرة إلى تأسيس علمٍ مؤسساتي حولها؛ فالمشروع المستدام لا يكتفي بإقامة الفعاليات، وإنما يحتاج إلى مراكز متخصصة تواصل البحث والتدقيق والتأليف، وتعمل على إنتاج المعرفة بصورة تراكمية ومنهجية، لتبقى السيرة النبوية حاضرة في المشهد العلمي والثقافي بوصفها مصدراً أصيلاً للقيم والمعرفة والوعي.

ففي مقدمة هذه المؤسسات تأتي دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، التابعة لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة، والتي أُنشئت بتوجيه مباشر من المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، سماحة العلامة السيد أحمد الصافي، لتكون إطاراً علمياً متخصصاً يعنى بالسيرة النبوية ومصادرها وقضاياها الفكرية والتأريخية.

وتقوم فلسفة الدار على إعادة قراءة السيرة النبوية قراءةً علمية دقيقة، لا تكتفي بتكرار ما ورد في المدونات التأريخية، وإنما تتجه إلى فحص الروايات ومقارنتها وتحليل مضامينها، في ضوء الثوابت القرآنية وما ورد عن العترة الطاهرة (عليهم السلام )، بما يسهم في بناء رؤية أكثر اتزاناً ودقةً لأحداث السيرة ومحطاتها وشخصية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).

وهنا تتخذ عملية البحث بعداً يتجاوز جمع المعلومات إلى إعادة بناء الوعي بالسيرة؛ عبر الاقتراب من مصادرها بروح نقدية علمية، واستحضار السياقات التأريخية والفكرية التي أحاطت بتدوينها، مع العناية بكشف ما قد تسلل إلى الموروث من روايات غير دقيقة أو تصورات مشوشة.

و تضطلع الدار بدور مهم في مواجهة الشبهات التي أثيرت حول السيرة النبوية، والتصدي لما لحق ببعض أحداثها من تحريف أو قراءة مبتورة، عن طريق تقديم المعالجة العلمية القائمة على الدليل، بما يعزز حضور السيرة في المجال المعرفي ويمنح الباحث والقارئ أدوات أكثر رصانة لفهمها.

إن قيمة هذا الدور لا تكمن في استعادة أحداث الماضي فحسب، وإنما في جعل السيرة مجالاً مفتوحاً للبحث العلمي والحوار الفكري؛ لكي تتحول الوقائع النبوية من سرد تأريخي إلى مادة معرفية قابلة للفحص والدراسة والاستنتاج، بما يكشف عن أبعادها الإنسانية والأخلاقية والحضارية.

وإلى جانب التخصص في البحث السيري، يبرز مركز الدراسات والمراجعة العلمية بوصفه أحد المسارات التي تعزز الجانب التوثيقي والتحقيقي للمشروع، عن طريق إسهامه في إصدار ومراجعة وتدقيق البحوث والكتيبات التي تتناول محطات مختلفة من حياة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا سيما ما يرتبط بمرحلة الدعوة في مكة والمدينة.

وتكتسب هذه المهمة أهميتها من كون الكتابة عن السيرة النبوية تتطلب عناية خاصة بالمصادر والمعلومات والتفاصيل التأريخية، إذ إن دقة المعلومة وسلامة الاستناد إليها تشكلان أساساً لأي خطاب معرفي يسعى إلى تقديم السيرة بصورة مسؤولة.

وعن طريق المراجعة العلمية، تتجه الجهود إلى تعزيز جودة المادة المنشورة، والتأكد من سلامة محتواها ومنهجيتها، بما يجعل الإصدارات المتعلقة بالسيرة أكثر قدرة على خدمة الباحث والقارئ، ويمنحها قيمة علمية تتناسب مع مكانة الموضوع الذي تتناوله.

ولا ينفصل هذا الدور عن الرؤية الأوسع للمشروع المؤسساتي؛ فإنتاج المعرفة لا يكتمل بمجرد الكتابة والتأليف، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من البحث والتنقيب، وتمر بالتحقيق والمراجعة، وتنتهي بإخراج المادة العلمية بصورة موثوقة يمكن الإفادة منها في الدراسات والبحوث والبرامج الثقافية.

إن تأسيس مراكز متخصصة بالسيرة النبوية يمثل انتقالاً نوعياً من الجهود المتفرقة إلى العمل المؤسسي المستدام؛ إذ لم تبقَ العناية بالسيرة مرتبطة بموسم أو مناسبة ؛ بل أصبحت عملاً علمياً متواصلاً له مؤسساته وباحثوه وأدواته ومساراته.

وفي هذا الجانب، تتكامل أدوار دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ومركز الدراسات والمراجعة العلمية من ضمن رؤية تجعل من البحث والتحقيق والتوثيق ركائز رئيسة لصيانة الذاكرة النبوية وتقديمها بصورة علمية رصينة.

فبينما تتجه المؤسسات المتخصصة إلى الغوص في المصادر وإعادة قراءة الروايات ومواجهة الشبهات والتحريفات، تعمل مسارات المراجعة العلمية على تعزيز موثوقية النتاج المعرفي وصلاحيته للتداول العلمي والثقافي.

وبذلك، لا يصبح التأسيس المؤسساتي مجرد إضافة إدارية إلى مشهد النشاط الثقافي، وإنما يتحول إلى بنية معرفية تحفظ السيرة من النسيان والتشويه، وتعيد تقديمها للأجيال بوصفها إرثاً حياً قابلاً للبحث والفهم والاستلهام.

إنها رؤية تراهن على أن أفضل سبيل لصون السيرة النبوية هو أن تتحول إلى علمٍ يُبحث، وتراثٍ يُحقق، ومعرفةٍ تُراجع، وقيمٍ تُستعاد؛ وهو ما يمنح المشروع المؤسسي بعداً يتجاوز حفظ الماضي إلى الإسهام في تشكيل وعي الحاضر وصناعة المستقبل.



حضور السيرة النبوية بين المؤتمرات والمهرجانات والجامعات

لم تكن السيرة النبوية الشريفة، في مشروع العتبة العباسية المقدسة، مادةً تستعاد في مواسمها أو موضوعاً يقتصر تداوله على دوائر البحث المتخصصة ؛ بل أخذت تتحول إلى مشروع معرفي وثقافي واسع، تتعدد منابره وتتسع دوائر جمهوره، من قاعات المؤتمرات العلمية إلى منصات المهرجانات، ومن أروقة المؤسسات الثقافية إلى رحاب الجامعات العراقية.

وفي هذا المسار، تتكامل المؤتمرات العلمية الدولية مع المهرجانات والأسابيع الثقافية لتشكّل منظومة متعددة المستويات، تستهدف إعادة قراءة السيرة النبوية بأدوات علمية، وإبراز أبعادها الإنسانية والحضارية، وفتحها على أسئلة الحاضر ؛ لكي لا تبقى سيرة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حبيسة المدونات التأريخية، وإنما تتحول إلى مصدر للمعرفة والقيم وبناء الوعي.

ويمثل المؤتمر العلمي الدولي لدار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) من أبرز الأذرع العلمية لهذا المشروع؛ إذ انتقل إلى دورته الرابعة التي أقيمت في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، في مؤشر على رسوخ هذا المسار واستمراريته، وتحول السيرة النبوية إلى حقل بحثي يستقطب الباحثين والمختصين من داخل العراق وخارجه.

ولا تكمن أهمية المؤتمر في انعقاده الدوري فحسب ؛ بل في طبيعة الدور الذي يؤديه بوصفه مساحةً للبحث والحوار والمراجعة العلمية ، فهو يتيح للباحثين تقديم دراسات وقراءات جديدة تتناول حياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ومحطات سيرته من زوايا متعددة، تشمل التأريخ والفكر والأخلاق والمجتمع والحضارة.

وبذلك، لا يكون المؤتمر مجرد منصة لعرض البحوث، وإنما مساحة لإعادة مساءلة الموروث السيري، ومراجعة القراءات السابقة، والبحث في المصادر، وطرح الأسئلة التي تفرضها التحولات الفكرية والمعرفية المعاصرة.

إنه محاولة للانتقال من نقل السيرة إلى دراستها، ومن تكرار المرويات إلى تحليلها، ومن استحضار الأحداث إلى استجلاء دلالاتها؛ بما يجعل البحث الأكاديمي وسيلةً لاستعادة السيرة من ضمن سياق معرفي أكثر عمقاً واتصالاً بحاجات الإنسان المعاصر.

وفي الضفة الأخرى من المشروع، يأتي مهرجان «رحمة للعالمين» الدولي الأول، الذي انطلق في 15 ربيع الأول، الموافق 8 أيلول/سبتمبر 2025، واستمر ثلاثة أيام، احتفاءً بمرور 1500 عام على ولادة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، بتنظيم من الهيأة العليا لإحياء التراث في العتبة العباسية المقدسة.

وقد حمل المهرجان خصوصية نابعة من الجمع بين البعد الاحتفائي والرسالة الفكرية والثقافية؛ إذ لم تُقدَّم المناسبة في إطار احتفال جماهيري تقليدي، وإنما تحولت إلى مساحة واسعة تستحضر السيرة عبر الأدب والكتاب والمحاضرة والشعر والفكر.

وتضمن برنامج المهرجان برامج أدبية، ومعارض للكتاب، ومحاضرات تخصصية قدمها فضلاء الحوزة وأساتيذ الجامعات، فضلاً عن أمسيات شعرية سلطت الضوء على الأبعاد الأخلاقية والإنسانية للرسالة المحمدية.

وهكذا تعددت أبواب الدخول إلى السيرة؛ فالباحث يجد فيها مادة للدرس، والمثقف فضاءً للتأمل، والقارئ نافذة عبر الكتاب، والشاعر مجالاً لاستحضار القيم، فيما يجد الجمهور في المناسبة فرصة للاحتفاء بشخصية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وما تمثله من رحمة وأخلاق وإنسانية.

ومن هنا تبرز قيمة المهرجان بوصفه جسراً بين المعرفة والاحتفاء؛ فهو يستثمر المناسبة الدينية لإطلاق خطاب ثقافي أوسع، يربط السيرة بقيمها الحضارية، ويعيد تقديم شخصية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) باعتبارها نموذجاً إنسانياً تتجاوز دلالاته حدود الزمان والمكان.

وإذا كانت المؤتمرات تمثل الواجهة البحثية المتخصصة، والمهرجانات توفر فضاءً ثقافياً وجماهيرياً واسعاً، فإن أسبوع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) الثقافي يفتح مساراً ثالثاً يقوم على الانتشار والوصول المباشر إلى البيئة الأكاديمية والمجتمع.

ويأتي الأسبوع بوصفه نشاطاً سنوياً مستمراً يتزامن مع ذكرى المولد النبوي الشريف، وتتوزع فعالياته بين الجامعات والمحافظات العراقية، فضلاً عن الحفل المركزي الذي تقيمه العتبة العباسية المقدسة.

وقد امتد هذا النشاط إلى جامعات عراقية متعددة، من بينها جامعة الموصل وجامعة ديالى وجامعة المثنى، بما يعكس توجهاً نحو جعل المؤسسات الأكاديمية شريكاً في عملية التعريف بالسيرة النبوية ودراستها واستلهام مضامينها.

وتتجاوز هذه الفعاليات الجانب الاحتفالي إلى تقديم البحوث والدراسات العلمية، بما يسهم في بناء مساحة مشتركة بين المؤسسة الدينية والجامعة، ويمنح السيرة فرصة للحضور داخل البيئة الأكاديمية بوصفها موضوعاً للبحث والدراسة والنقاش.

ويحمل الحضور داخل الجامعات دلالة تتجاوز مكان إقامة الفعالية؛ فالجامعة فضاء للسؤال والتحليل والنقد، والوصول إليها يعني مخاطبة جيل يمتلك أدوات البحث والتفكير؛ الأمر الذي يمنح السيرة النبوية مجالاً لقراءتها من منظور معرفي وحضاري إلى جانب مكانتها الدينية.

وفي هذا السياق، تتقاطع موضوعات السيرة مع مجالات متعددة يمكن أن تشتغل عليها البيئة الأكاديمية، من التأريخ والفكر إلى الأخلاق والتربية والمجتمع والثقافة، بما يفتح المجال أمام قراءة أكثر اتساعاً للتجربة النبوية.

وإن الطبيعة المتنقلة للأسبوع الثقافي تمنحه قدرة على توسيع دائرة الوصول؛ فبدلاً من بقاء النشاط في مركز واحد، تنتقل الفعاليات بين المحافظات والجامعات، لتتحول السيرة إلى رسالة ثقافية متحركة تصل إلى جمهور متنوع في بيئات أكاديمية واجتماعية مختلفة.

وبين المؤتمر العلمي والمهرجان الدولي والأسبوع الثقافي، تتضح ملامح منظومة متكاملة، لكل مسار فيها جمهوره وأدواته، لكن جميعها تلتقي عند هدف واحد.

المؤتمر يفتح للسيرة أبواب البحث، والمهرجان يمنحها فضاءً ثقافياً وجماهيرياً، والأسبوع الثقافي يحملها إلى الجامعات والمجتمع.

وعن طريق هذا التنوع، لا تُقدَّم السيرة بلغة واحدة؛ فهي تُقرأ في البحث العلمي، وتُستعاد في الأدب والشعر، وتُناقش في المحاضرات، وتُعرض عبر الكتاب، وتُطرح داخل الجامعات بوصفها موضوعاً للدرس والحوار.

وهذه التعددية في أدوات الخطاب تمنح المشروع قدرة أكبر على الوصول إلى شرائح مختلفة؛ إذ لا يُفترض أن تصل المعرفة إلى الجميع بالطريقة نفسها ؛ بل بتتعدد الوسائل بينما تبقى الرسالة واحدة: التعريف بالسيرة النبوية، وإعادة قراءتها، واستلهام قيمها في بناء الإنسان والمجتمع.



مسابقات وإصدارات وندوات تُبقي السيرة النبوية في قلب المشهد الفكري

لا يكتمل أي مشروع معرفي مستدام بإقامة المؤتمرات والمهرجانات، فالمعرفة تحتاج إلى من يحملها ويطورها، وإلى نتاج علمي يوثقها، ومنابر فكرية تواصل مساءلتها وقراءتها.

ومن هذا المنطلق، وسّعت العتبة العباسية المقدسة، عبر دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، مسارات اشتغالها على السيرة النبوية لتشمل دعم الباحثين وطلبة الدراسات العليا، وإنتاج الكتب والدراسات، وإقامة الندوات الفكرية المتخصصة، بما يجعل المشروع ممتداً على مدار العام، لا مرتبطاً بموسم أو مناسبة.

وهنا يتخذ العمل بعداً أكثر عمقاً؛ فالسيرة لا تُستعاد فقط عبر الفعاليات، وإنما يجري صناعة أدوات معرفية جديدة لقراءتها، عن طريق تشجيع البحث الأكاديمي، واحتضان نتاج الباحثين، وإتاحة المجال أمام المختصين لمناقشة قضاياها من زوايا متعددة.

في مقدمة هذه المسارات تأتي المسابقات البحثية والرسائل الجامعية، التي تمثل وسيلة عملية لدعم الجيل الجديد من الباحثين وتوجيه اهتمام الدراسات العليا نحو السيرة النبوية.

ومن أبرز هذه المبادرات مسابقة أفضل عشر رسائل جامعية في السيرة النبوية، التي تنظمها دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتستهدف نتاج طلبة الماجستير والدكتوراه، بما يوفر حافزاً للباحثين الشباب للانخراط في دراسة السيرة وقضاياها، ويمنح الأعمال الأكاديمية المتميزة فرصة للظهور والإفادة منها في الأوساط العلمية.

ولا تقف أهمية هذه المسابقات عند حدود التكريم ؛ بل تتصل بفكرة أوسع تتمثل في التأثير في اتجاهات البحث العلمي نفسها؛ إذ إن تشجيع الدراسات المتخصصة في السيرة يعني رفد المكتبة الإسلامية بأبحاث جديدة، وفتح ملفات بحثية قد تحتاج إلى مزيد من التحقيق والدراسة، وإيجاد جيل من الباحثين يمتلك أدوات أكاديمية للتعامل مع المصادر والمرويات.

وبذلك تتحول المسابقة من نشاط تنافسي إلى أداة لصناعة الباحث وتوجيه المعرفة، فتكون الجامعة ومؤسسات الدراسات العليا شريكاً رئيسًا في مشروع إحياء السيرة.

أما النتاج العلمي، فيمثل الواجهة التي تبقى بعد انتهاء الفعاليات؛ فالكتاب والدراسة المحققة قادران على مواصلة الحضور في المكتبات والجامعات ومراكز البحث، وإتاحة المعرفة لجيل المستقبل .

وفي هذا الجانب، جاءت سلسلة السيرة النبوية التي شهدت طباعة عشرات الأطاريح والكتب المحققة، لتشكل رافداً مهماً للمكتبة المتخصصة في السيرة.

وتتنوع موضوعات هذه الإصدارات بين دراسة محطات من حياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وتحليل ما ورد في المصادر التأريخية، ومن بينها كتاب «النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة»، وكتاب «السيرة النبوية في كتاب تأريخ الرسل والملوك للطبري – دراسة تحليلية» .

وتكتسب هذه الإصدارات أهميتها من كونها تحول الجهد البحثي من مادة جامعية أو دراسة فردية إلى نتاج معرفي متاح للباحثين والمهتمين، بما يسهم في بناء تراكم علمي يمكن العودة إليه والإفادة منه في دراسات مستقبلية.

فالمعرفة التي تُكتب وتُحقق وتُنشر لا تنتهي بانتهاء صاحبها أو المناسبة التي أنتجتها؛ وإنما تدخل في دورة معرفية جديدة، تصبح فيها الدراسة أساساً لدراسة أخرى، والكتاب مرجعاً لبحث جديد، والنتيجة العلمية لبنةً في مشروع أكبر.

وإلى جانب المسابقات والإصدارات، تشكل الندوات الفكرية التخصصية مساحة أخرى للحوار المباشر، إذ تتيح تناول قضايا السيرة النبوية عن طريق النقاش والمقارنة والتحليل، وتمنح الباحثين والمثقفين فرصة للاقتراب من الموضوعات التي تحتاج إلى قراءة معمقة.

ومن النماذج اللافتة في هذا المسار ندوة «صورة الرسول الأكرم في القرآن الكريم والحديث والتأريخ – دراسة مقارنة»، التي عقدت في شباط/فبراير 2024 بمناسبة المبعث النبوي الشريف، وقدمت موضوع الشخصية النبوية عن طريق مقاربة تجمع بين النص القرآني والرواية الحديثية والمادة التأريخية.

وتكشف طبيعة هذه الندوات عن توجه نحو عدم الاكتفاء بالسرد التقليدي؛ بل محاولة وضع صورة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أمام أكثر من مصدر ومستوى معرفي، بما يفتح الباب أمام المقارنة والتحليل واستجلاء الفوارق بين النصوص والقراءات التأريخية.

ويمتد هذا الحضور الفكري إلى المناسبات التي تستحضر رحيل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ تترافق مجالس العزاء مع ندوات وتحليلات تتناول الشخصية النبوية من منظور معاصر، ولا سيما ما يرتبط بأثرها القيادي والتربوي في صناعة الإنسان.

وفي هذا السياق، شهدت ذكرى شهادة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إقامة مجالس وندوات تحليلية، كان من بينها نشاطات أقيمت في آب/أغسطس 2025، ركزت على الأبعاد القيادية والتربوية في التجربة النبوية، وربطها بقضايا بناء الإنسان وتشكيل الوعي.

وهنا تتجاوز المناسبة إطارها العاطفي إلى فضاء فكري يحاول استعادة الدروس المستفادة من السيرة، وعرضها أمام أسئلة الحاضر: كيف يمكن فهم القيادة النبوية؟ وما الذي يمكن استلهامه من منهجه في التربية وبناء الشخصية؟ وكيف تتحول القيم التي جسدها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مبادئ فاعلة في حياة المجتمع؟

تكشف هذه المسارات مجتمعة عن جانب آخر من مشروع إحياء السيرة النبوية؛ جانب لا يظهر بالضرورة في المشهد الاحتفالي، لكنه يمثل أساساً لاستمرارية المشروع.

فالمسابقة تصنع حافزاً للباحث، والرسالة الجامعية تتحول إلى كتاب، والكتاب يصبح مرجعاً، والندوة تفتح سؤالاً جديداً، والسؤال يقود إلى بحث آخر؛ وبهذه الطريقة تتشكل دورة معرفية متكاملة لا تتوقف بانتهاء المؤتمر أو المهرجان.

إنها منظومة تبدأ بالباحث ولا تنتهي عند القارئ؛ تمر بالجامعة ومراكز البحث، ثم تصل إلى الكتاب والمنصة الثقافية ؛ لتعيد إنتاج المعرفة حول السيرة النبوية بصورة تراكمية.





مكتبة السيرة النبوية

لا يقتصر مشروع العتبة العباسية المقدسة في إحياء السيرة النبوية الشريفة على المؤتمرات والندوات والمهرجانات ؛ بل يمتد إلى مساحة أكثر رسوخاً واستدامة: الكتاب والمجلة والموسوعة والكتيب والقصة.

فعن طريق قسم الشؤون الفكرية والثقافية، وعبر دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) والمراكز التابعة لها، تشكلت منظومة نشر تسعى إلى تحويل الجهد البحثي والفكري إلى نتاج مكتوب، يحفظ المعرفة ويتيحها للباحث والقارئ والطالب والناشئة.

وتتوزع هذه الإصدارات بين كتب ودراسات تخصصية، وأطاريح جامعية محكّمة، ودوريات علمية، وموسوعات توثق النتاج البحثي للمؤتمرات، إلى جانب إصدارات معرفية موجهة إلى الشباب والأطفال؛ وبهذا التنوع، تحاول المكتبة بناء جسر معرفي يصل بالسيرة إلى شرائح متعددة من المجتمع.

في قلب هذا النتاج تأتي سلسلة كتب «السيرة النبوية»، التي تضم دراسات وأطاريح أكاديمية، بينها أعمال فازت في المسابقات البحثية التي تقيمها العتبة العباسية المقدسة للرسائل الجامعية.

ومن بين هذه الإصدارات كتاب «السيرة النبوية في هدي القرآن الكريم»، الذي أعدته وحدة الدراسات والبحوث في دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويتجه إلى رسم معالم حياة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاعتماد على الآيات القرآنية، بما يمنح النص القرآني موقعاً محورياً في قراءة السيرة واستجلاء أحداثها ودلالاتها.

ويأتي إلى جانبه كتاب «الدرر الفاخرة في سيرة المصطفى الطاهرة» للشيخ عقيل عبد الحر النصراوي، وهو إصدار يتبنى أسلوب السؤال والجواب لتقديم محطات من حياة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، مع التركيز على أخلاقه وصفاته ومواقفه، في محاولة لتقديم المادة السيرية بصورة أكثر سهولة وقرباً من القارئ.

أما الدراسات الأكاديمية المتخصصة، فتقدم نماذج أكثر عمقاً في التعامل مع المصادر والقراءات التأريخية؛ من بينها أطروحة الدكتوراه «السيرة النبوية في كتاب تأريخ الرسل والملوك للطبري – دراسة تحليلية» للباحث الدكتور عدنان عطية العقابي، التي تتناول المرويات المتعلقة بالسيرة في كتاب الطبري، وتخضعها للدراسة والتحليل.

وفي مجال النقد السيري، تأتي دراسة «سردية النص السيري – سيرة ابن هشام: بناء الأخبار والموقع الثقافي» للباحث غانم حميد الزبيدي، لتتجه إلى تحليل آليات بناء الأخبار وتناقلها في واحد من أبرز المصادر الكلاسيكية في السيرة النبوية، بما يفتح الباب أمام قراءة النص السيري من زاوية نقدية ومنهجية.

و يتضمن النتاج دراسة «الأحاديث النبوية في بيان المناقب العلوية» للباحث الدكتور فضاء ذياب غليم، التي تتناول النصوص النبوية عن طريق مناهج تحليل الخطاب، وتبحث في أبعادها اللغوية والتأريخية.

ولا تغيب عن هذا المشهد الدراسات التي تتناول السيرة من خارج إطار القراءة التقليدية، ومن بينها «السيرة النبوية في الرؤية الاستشراقية»، وهي دراسة تحليلية نقدية تتناول ما ورد في «دائرة المعارف الإسلامية»، وتسعى إلى قراءة مناهج المستشرقين في تناول حياة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وتحليل منطلقاتها وطرائقها.

وهكذا تكشف عناوين هذه السلسلة عن اتساع دائرة الاشتغال؛ من القرآن الكريم إلى كتب التأريخ، ومن تحليل الرواية إلى دراسة الخطاب، ومن المصادر التراثية إلى القراءات الاستشراقية، لتصبح السيرة حقلاً تتعدد داخله المناهج والأسئلة.

وإلى جانب الكتاب، تحضر الدوريات العلمية بوصفها مساحة أكثر انتظاماً لمتابعة قضايا السيرة والنقاشات المرتبطة بها.

ومن أبرزها مجلة «نبيّنا»، وهي مجلة دورية نصف سنوية تصدر بثلاث لغات تحت إشراف دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتعمل على فتح ملفات علمية وقضايا ترتبط بالتأريخ الإسلامي والسيرة النبوية، بما يتيح تقديم الموضوعات بصورة بحثية تتجاوز الطرح المناسباتي.

وقد تناولت أعدادها موضوعات متنوعة، من بينها «الإسراء والمعراج – مقاربة فيزيائية»، وموضوع «السيرة النبوية بين الصورة القرآنية والصورة التفسيرية»، بما يعكس تنوع الحقول التي يمكن أن تلتقي عندها دراسة السيرة.

وتكمن أهمية الدوريات في قدرتها على إبقاء النقاش العلمي متجدداً؛ فالكتاب يقدم دراسة متكاملة، أما المجلة فتتيح مواكبة الأسئلة الجديدة والملفات البحثية المتخصصة، وتوفر فضاءً دورياً لتبادل الأفكار والبحوث.

وإذا كانت المؤتمرات مساحة لإنتاج المعرفة وتبادلها، فإن توثيق ما يطرح فيها يمثل خطوة رئيسة لضمان عدم انتهاء أثرها بانتهاء جلساتها.

ومن هنا تأتي سلسلة «وقائع المؤتمرات» التي تجمع البحوث والدراسات المشاركة في المؤتمرات الدولية التي تقيمها العتبة العباسية المقدسة، ومنها مجلدات وقائع مؤتمر دار الرسول الأعظم الدولي، التي تصدر في أجزاء متعددة وتوثق نتاج عشرات الباحثين.

وتتحول هذه المجلدات بذلك إلى أرشيف علمي للمشروع؛ فهي تحفظ البحوث التي ناقشت السيرة، وتتيح للباحثين العودة إليها والإفادة من نتائجها، و ترصد تطور الأسئلة والمقاربات التي شهدتها المؤتمرات عبر دوراتها.

إنها عملية تحويل للحدث العلمي إلى ذاكرة مكتوبة؛ فما يقال في قاعة المؤتمر لا ينتهي بانتهاء الجلسة، بل يجد طريقه إلى كتاب يبقى متاحاً للبحث والمراجعة والاستشهاد.

ولا يتوقف مشروع النشر عند حدود المتخصصين، إذ تمتد الإصدارات إلى مواد معرفية موجهة إلى فئات عمرية ومجتمعية مختلفة.

فتأتي كتيبات التوعية الفكرية في صيغة مختصرة وسهلة التداول، موجهة بصورة خاصة إلى الشباب والطلبة، لتتناول مواقف من حياة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا سيما ما يرتبط بجوانب القيادة والتربية والتسامح والتعايش، بما يجعل القيم النبوية أقرب إلى لغة الحياة اليومية واهتمامات الأجيال الجديدة.

وفي الجانب الآخر، تحضر قصص الأطفال والسيرة المصورة التي تنتجها شعبة الطفولة والناشئة، لتقديم محطات من السيرة بأسلوب يتناسب مع عالم الطفل، عن طريق القصص والمجلات والمواد التفاعلية.

وهنا تظهر فلسفة مختلفة في إيصال المعرفة؛ فالمعلومة التي تقدم للباحث ليست هي نفسها التي يحتاجها الطفل، والكتاب الأكاديمي لا يمكن أن يؤدي الدور نفسه الذي تؤديه القصة المصورة. لذلك تتعدد الأشكال والوسائل بينما تبقى الغاية واحدة ؛ لتصل السيرة إلى الإنسان في مختلف مراحل عمره وباللغة التي تناسبه.

يكشف هذا التنوع في الإصدارات عن مشروع نشر لا يتعامل مع السيرة النبوية بوصفها موضوعاً ذا مستوى واحد ؛ بل يراها فضاءً معرفياً يمكن أن يخاطب الباحث المتخصص، والأستاذ الجامعي، وطالب الدراسات العليا، والقارئ العام، والشاب، والطفل.

فالأطروحة تفتح باب البحث الأكاديمي، والكتاب يرسخ المعرفة، والمجلة تواكب النقاش، وموسوعة الوقائع تحفظ النتاج العلمي، والكتيب يقرّب الفكرة إلى الشباب، والقصة تمنح الطفل مدخلاً مبسطاً إلى السيرة.

وبذلك تتشكل مكتبة متعددة الطبقات، تتدرج من البحث المتخصص إلى الخطاب الثقافي العام، ومن الدراسة النقدية إلى المادة التربوية، ومن لغة الأكاديميات إلى لغة الطفل.

ولعل أبرز ما يميز هذا المسار أن الكتاب لا يمثل مجرد منتج نهائي للفعاليات العلمية؛ بل يشكل أحد أهم أدوات استدامة المشروع؛ فالمؤتمر ينتهي، والندوة تختتم، والمهرجان يطوي أيامه، لكن الكتاب يبقى.

ويبقى معه السؤال مفتوحاً، والبحث متاحاً، والنتيجة العلمية قابلة للنقاش، والباحث الجديد قادراً على البناء على ما سبقه.

ومن هنا، فإن مشروع الإصدارات الخاصة بالسيرة النبوية يمثل الوجه المكتوب لذاكرة المشروع؛ ذاكرة تحفظ الدراسات، وتوثق المؤتمرات، وتفتح الملفات الفكرية، وتوصل المعرفة إلى شرائح مختلفة.

فإذا كانت المؤتمرات تصنع لحظةً علمية، فإن الكتب تحفظها؛ وإذا كانت الندوات تطرح السؤال، فإن الدراسات تواصل البحث عن الإجابة؛ وإذا كانت الفعاليات تصل إلى الجمهور، فإن الإصدارات تمنح أثرها فرصةً للبقاء.

وهكذا تتحول السيرة النبوية من موضوع يُروى إلى معرفة تُدوّن، ومن معرفة تُدوّن إلى مكتبة تتراكم، ومن مكتبة تتراكم إلى إرث علمي وثقافي يمكن أن تواصل الأجيال قراءته ونقده والبناء عليه.



السيرة النبوية.. من ذاكرة الماضي إلى وعي المستقبل

تكشف منظومة المشاريع العلمية والثقافية التي تُعنى بالسيرة النبوية الشريفة عن تحوّل جوهري في طريقة التعامل معها؛ من مناسبة يُحتفى بها إلى مشروع يُستثمر في بناء المعرفة، ومن ذاكرة تستعاد إلى وعي يُعاد تشكيله، ومن صفحات تحفظ أحداث الماضي إلى فضاء مفتوح لاستقراء القيم واستحضارها في حياة الإنسان المعاصر.

فالسيرة، في هذا التصور، ليست سرداً لتتابع الوقائع والأحداث فحسب، وإنما تجربة إنسانية وحضارية ثرية تفتح أسئلة لا تنتهي حول الأخلاق والقيادة والتربية والعلاقات الاجتماعية وصون كرامة الإنسان ، وهي، بهذا المعنى، لا تجيب عن أسئلة الماضي وحده ؛ بل تضع أمام الحاضر نماذج وقِيَماً قابلة للتأمل والاستلهام.

ومن هنا تتكامل حلقات المشروع؛ فالمؤسسة العلمية تبحث وتحقق، والباحث يقرأ ويحلل، والجامعة تناقش، والمسابقة تحفز، والكتاب يوثق، والندوة تفتح آفاق الحوار، والمهرجان يوسّع دائرة الوصول، فيما تحمل الأسابيع الثقافية هذه المعرفة إلى المجتمع والأجيال الجديدة.

إنها منظومة لا تنظر إلى كل فعالية بوصفها حدثاً مستقلاً، وإنما تتعامل معها بوصفها حلقة في مسار معرفي متصل؛ بحثٌ ينتج معرفة، ومعرفةٌ تتحول إلى كتاب، وكتابٌ يفتح باباً لبحث جديد، وحوارٌ يولّد سؤالاً، وسؤالٌ يقود إلى قراءة أعمق للسيرة.

وفي هذا التراكم تتجلى القيمة الحقيقية للمشروع؛ فإحياء السيرة لا يعني إعادة إنتاج ما قيل عنها فحسب ؛ بل إتاحة المجال لإعادة قراءتها باستمرار، ومراجعة ما ارتبط بها من مرويات وقراءات، واستكشاف أبعادها الإنسانية والأخلاقية والحضارية، بما يجعلها قادرة على الحضور في حركة الفكر والثقافة، لا على هامشها.

و استثمار السيرة في صناعة الوعي لا يعني إسقاط الحاضر على الماضي، وإنما استلهام المبادئ الكبرى التي جسدها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإعادة التفكير في قدرتها على الإسهام في معالجة قضايا الإنسان والمجتمع؛ فالرحمة ليست قيمة تأريخية، والعدل ليس مفهوماً عابراً، والتربية ليست درساً مؤقتاً، وصون كرامة الإنسان ليس مبدأً مرتبطاً بزمن بعينه.

وعندما تنتقل هذه القيم من النص إلى النقاش، ومن النقاش إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الوعي، تصبح السيرة أكثر من تراث يُصان؛ تصبح طاقةً حضارية يمكن أن تسهم في بناء الإنسان وتوجيه المجتمع.

وهنا تتضح الصورة الكاملة للمشروع: صيانة السيرة بالتحقيق، وإثراؤها بالبحث، ونشرها بالكتاب، ومناقشتها بالحوار، وتعريف الأجيال بها عبر الجامعة والمجتمع، واستلهام قيمها في مواجهة تحديات الحاضر.

إنها رحلة معرفية تتحرك فيها السيرة من الذاكرة إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الوعي، ومن الوعي إلى الفعل؛ لتظل رسالة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، بما تختزنه من رحمة وأخلاق وإنسانية، حاضرةً في وجدان الأجيال وعقلها، لا بوصفها أثراً من الماضي فحسب، وإنما بوصفها إرثاً حياً قادراً على أن يخاطب الحاضر، ويمنح المستقبل شيئاً من هدي النبوة.

فالسيرة التي تُقرأ لا تموت، والسيرة التي تُبحث تتجدد، والسيرة التي تتحول إلى وعيٍ وقيمةٍ وسلوك، تبقى حاضرةً في حياة الإنسان مهما تعاقبت الأزمنة.



أرقام تختصر المشهد

خلف المؤتمرات والمهرجانات والندوات والإصدارات، تقف مجموعة من الأرقام التي تمنح صورة أكثر وضوحاً عن اتساع الجهد المبذول في إحياء السيرة النبوية الشريفة، وتكشف انتقال المشروع من فعاليات متفرقة إلى منظومة علمية وثقافية تتعدد مؤسساتها ومنابرها وجمهورها.

وفي قراءة سريعة لهذه المؤشرات، يمكن الوقوف على أبرز ملامح هذا الحراك:

1500عام: محطة رمزية كبرى احتفى بها مهرجان «رحمة للعالمين» الدولي الأول، الذي جاء تخليداً لمرور 1500 عام على ولادة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحوّل المناسبة إلى مساحة دولية للبحث والثقافة والاحتفاء بالسيرة النبوية.

3جامعات عراقية على الأقل: امتد إليها برنامج أسبوع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) الثقافي، عن طريق فعاليات ميدانية وأكاديمية شملت جامعة الموصل وجامعة ديالى وجامعة المثنى، في مسار يربط السيرة بالبيئة الجامعية ويمنحها حضوراً مباشراً لدى الطلبة والباحثين.

أكثر من 6 جلسات بحثية في المؤتمر الواحد: تفتح هذه الجلسات المجال أمام عشرات الباحثين لتقديم أوراق ودراسات علمية محكّمة، بمشاركة باحثين من داخل العراق وخارجه، بما يعكس اتساع دائرة الاهتمام الأكاديمي بالسيرة النبوية وتنوع المقاربات البحثية حولها.

عشرات الإصدارات العلمية: من ضمن سلسلة كتب السيرة النبوية التي تتبناها دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، عبر جهود الطباعة والتحقيق والنشر والتوزيع ؛ لتتحول البحوث والدراسات إلى رصيد معرفي مكتوب يمكن للباحثين والمهتمين الرجوع إليه والإفادة منه.

ولا تقف دلالة هذه الأرقام عند قيمتها العددية؛ فخلف كل رقم مسار من العمل العلمي والثقافي ؛ فـ1500 عام تحولت إلى مناسبة لاستحضار السيرة على نطاق واسع، وثلاث جامعات تعكس امتدادها إلى البيئة الأكاديمية، والجلسات البحثية تمثل مساحة لإنتاج المعرفة ومناقشتها، فيما تشكل عشرات الإصدارات الذاكرة المكتوبة التي تحفظ جانباً من هذا النتاج للأجيال.

وبذلك تختصر الأرقام صورة مشروع يتحرك في أكثر من اتجاه: يبحث، ويناقش، وينشر، ويصل إلى الجامعة والمجتمع؛ لتصبح السيرة النبوية حاضرة في الكتاب والمنصة العلمية والفعالية الثقافية، وفي الوقت نفسه تكون جزءاً من حراك معرفي يسعى إلى إبقاء إرث الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيًّا في الوعي المعاصر.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات بعد

تعليقات القراء

الاكثر قراءة